رووداو ديجيتال
هل سيجلس المفاوضون الإيرانيون مع نظرائهم الأميركيين تحت خيمة باكستان، تشبيهاً بخيمة صفوان التي جرت في مثل هذا الشهر عام 1991 بين القوات المتحالفة والعراق على إثر استسلام القوات العراقية وانسحابها من الكويت. هناك كان جانب منتصر، قوات التحالف الدولية، وجانب مهزوم، القوات العراقية، وكان من الطبيعي أن ينفذ العراق شروط ومطالب المنتصرين التي كلفت البلد الكثير. فمن سيكون في خيمة باكستان، إذا ما جرت المفاوضات، المنتصر ومن هو المهزوم.
في المفاوضات الأميركية الإيرانية التي كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن عنها وتفاءل بنجاحها الأسبوع الحالي، والتي شغلت العالم، تبرز مشاكل معقدة أساسها عدم الثقة، عدم ثقة إيران بالولايات المتحدة، وبالأحرى بالرئيس ترمب ذاته، كما أن الشخصية الإيرانية العنيدة لن تقبل بالتفاوض باعتبارها مهزومة حتى وإن كان الواقع كذلك. وخروجها، إيران، من هذه الحرب بعد كل هذه الخسائر البشرية، 1332 قتيل حسب سفير إيران لدى الأمم المتحدة، ومليارات الدولارات وتدمير البنية التحتية الصناعية والعسكرية والمدنية، والأهم من هذا مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار القادة الأمنيين، وهذا سيضع القيادة الإيرانية في موقف صعب للغاية أمام شعبها.
ويبدو أن هناك أسباباً عديدة لعدم ثقة طهران بواشنطن، والحديث النبوي يقول "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، لكن إيران لُدغت بالفعل من جحر مرتين وذاقت طعم التجربة المرة مرتين، مرة في العام الماضي عندما كانت تتفاوض مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي في سلطنة عُمان وفوجئت بهجوم عسكري إسرائيلي على منشآتها النووية في حرب أطلق عليها حرب الأيام الـ 12 استمرت من 13 إلى 24 حزيران 2025، وفي نهاية شهر شباط الماضي أيضاً كانت المفاوضات جارية ما بين الإيرانيين والأميركيين في عُمان ليفاجأ العالم بقيام الولايات المتحدة وإسرائيل بهجوم جوي وصاروخي شرس على إيران في 28 شباط 2026 والذي أدى في ساعاته الأولى إلى مقتل المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي الذي يمثل أعلى سلطة دينية وسياسية وعسكرية في إيران.
ترى هل ستنساق إيران وبسبب ظروفها العسكرية والاقتصادية المتدهورة إلى مفاوضات ثالثة، بينما تتواصل العمليات العسكرية ضدها من قبل أميركا وإسرائيل، وأفواج مشاة البحرية الأميركية (المارينز) تتوجه إلى مناطق الاشتباك في الشرق الأوسط؟
في اليوم السادس والعشرين من الحرب بالشرق الأوسط، تتكثف المقترحات الدبلوماسية وسط استمرار المواجهات الميدانية، ما يعكس مرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع محاولات فرض مسارات تفاوضية. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مقترح لوقف الحرب، معبّراً عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق. في المقابل، أفاد التلفزيون الإيراني الرسمي أن إيران رفضت الخطة الأميركية. فما هي أبرز نقاطها؟
قال مسؤول أمني باكستاني كبير اليوم الأربعاء إن بلاده تتابع الموقف مع إيران بعد أن أوصلت إليها مقترحاً أميركياً لوقف الحرب. في المقابل، أفاد التلفزيون الإيراني الرسمي، نقلاً عن مسؤول لم يكشف اسمه، الأربعاء أن إيران رفضت الخطة الأميركية.
وذكرت قناة "برس تي في" التلفزيونية العامة الناطقة بالإنكليزية "كان رد فعل إيران سلبياً على المقترح الأميركي لإنهاء الحرب".
وأوضح مسؤول إيراني للقناة طالباً عدم الكشف عن هويته "ستنتهي الحرب عندما تقرر إيران إنهاءها، وليس عندما يقرر ترمب ذلك". ولم يصدر أي بيان رسمي بهذا الشأن حتى الآن، كما لم يُدلِ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي قاد المفاوضات الإيرانية الأميركية قبل الحرب، بأي تعليق.
قبل ذلك، أكد مسؤول إيراني كبير في وقت سابق تلقي طهران لمقترح عبر باكستان. وقال إن المحادثات إذا أُجريت ستعقد في باكستان أو تركيا. وتمثل تصريحات المسؤول الإيراني واحدة من المؤشرات النادرة على استعداد طهران للنظر في مقترحات دبلوماسية رغم تصريحها علناً بعدم وجود أي محادثات وبرفض إبرام اتفاقات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
— Rudaw عربية (@rudaw_arabic) March 25, 2026
ماذا يتضمن المقترح؟
المقترح الأميركي، الذي جرى نقله إلى إيران عبر باكستان في إطار وساطة غير مباشرة، يتكون، ومثلما كان ترمب قد أعلن، من 15 نقطة، ويشكل حتى الآن الأرضية الأكثر وضوحاً للنقاش. ويقوم هذا الطرح على معادلة "النووي مقابل العقوبات"، حيث يدعو إلى وقف تخصيب اليورانيوم وتسليم المواد المخصبة التي يمكن استخدامها عسكرياً، مقابل رفع كامل للعقوبات المفروضة على إيران، إضافة إلى تقديم دعم لتطوير برنامجها النووي المدني، خصوصاً في منشأة بوشهر.
كما يتضمن المقترح بنداً استراتيجياً يتعلق بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، بعدما أدى تعطيله الجزئي إلى اضطرابات حادة في الأسواق. وفي هذا الإطار، برزت إشارة إيرانية لافتة تمثلت في إعلان السماح للسفن "غير المعادية" بالمرور، ما يمكن اعتباره مؤشراً أولياً على قابلية محدودة لخفض التصعيد في هذا الملف الحيوي.
في المقابل، لا تقتصر المقترحات على الجانب الأميركي، بل تتشكل ملامح تصور أوسع لتسوية محتملة ذات طابع إقليمي. فإيران، وإن لم تعلن رسمياً انخراطها في مفاوضات، تضع عملياً شروطاً غير مباشرة، أبرزها وقف شامل للحرب، والحصول على مكاسب اقتصادية واضحة، وفي مقدمتها رفع العقوبات، إلى جانب تثبيت موقعها الجيوسياسي في المنطقة.
لكن هذه المقترحات تصطدم بجملة من التعقيدات. حسب وكالة الأنباء الفرنسية، أولها استمرار العمليات العسكرية، إذ تواصل إسرائيل ضرباتها "وفق خطة ثابتة" بمعزل عن المسار التفاوضي، بينما تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري بإرسال آلاف الجنود الإضافيين، ما يضعف الثقة في أي مسار دبلوماسي.
وثانيها غياب تأكيد رسمي من طهران بشأن وجود مفاوضات، بل إعلان رفضها لمقترح ترمب، رغم تقارير عن "تواصل مباشر" بين مسؤولين من الطرفين، فيما لم يؤكد أي من الجانبين ذلك. وهو ما يعكس حالة ضبابية تحيط بالقنوات التفاوضية.
أما ثالث التحديات، فيكمن في تباين مصالح الأطراف. فبينما يسعى ترمب إلى تحقيق صفقة سريعة تتجنب حرب استنزاف وتضمن مكاسب في ملف الطاقة، تبدي إسرائيل تحفظاً واضحاً على أي اتفاق لا يلبي شروطها الأمنية، ما يهدد بإفشال أو تعطيل أي تسوية محتملة.
في المحصلة، يمكن القول إن المقترحات المطروحة حالياً لا تزال في إطار "جس النبض" أكثر منها مساراً تفاوضياً ناضجاً. فهي تعكس محاولة لبلورة أرضية مشتركة تحت ضغط الميدان، حيث تستمر العمليات العسكرية بالتوازي مع طرح الأفكار.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأميركية بشأن ما نشر من تقارير.
وفي وقت سابق الثلاثاء، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه يشعر بالتفاؤل حيال المسار الدبلوماسي مع إيران، بعد الضربات التي باشرتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها منذ 28 شباط/فبراير، والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي واندلاع حرب في الشرق الأوسط.
وأفادت قناة "برس تي في" الإيرانية الناطقة بالإنكليزية، الأربعاء، بأن طهران أبلغت الولايات المتحدة، عبر وسطاء، رفضها المقترح الذي قدمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتفاوض، والذي يتضمن 15 بنداً.
لكن هذا الرفض، الذي تم الترويج له خلال الإعلام الإيراني، لم ينعكس بشكل كامل في الواقع، وفقاً لموقع "أكسيوس".
ووفقاً لباراك رافيد، الصحفي في "أكسيوس"، في منشور على "إكس": "ليس من الواضح تماماً إلى أي مدى يمثل الموقف الإيراني مجرد استعراض للقوة مقابل إغلاق فعلي لباب المفاوضات".
وقال رافيد: "أخبرني مسؤول أميركي أن إدارة ترمب لم تتلق بعد أي رسائل رسمية من إيران ترفض فيها العرض الأميركي".
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة، إذ يتضمن العرض الأميركي بنوداً سبق أن عارضتها إيران مراراً، فيما قد يؤدي رفضه بشكل قاطع إلى زيادة خطر التصعيد، بما في ذلك احتمال عودة التهديدات الأميركية باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية وأخرى مقربة من طهران، فإن الموقف الإيراني قد يعرقل في الوقت الراهن مساعي واشنطن لعقد محادثات سلام مباشرة كانت مطروحة هذا الأسبوع.
ونقلت "برس تي في" عن مسؤول إيراني رفيع قوله إن الشروط الأميركية "مبالغ فيها"، مؤكداً أن الحرب لن تنتهي إلا "وفق شروط طهران وجدولها الزمني".
وأضاف المسؤول أن إيران تعتبر المقترح الأميركي لإجراء مفاوضات "مجرد مناورة"، في ظل استمرار الولايات المتحدة في إرسال آلاف الجنود إلى المنطقة.
وكان موقع "أكسيوس" قد أفاد بأن إيران أبلغت الوسطاء شكوكها في نيات واشنطن، معتبرة أن الدعوة إلى محادثات سلام قد تكون "خدعة"، بالتزامن مع التعزيزات العسكرية الأميركية.
القناة 14 الإسرائيلية، كشفت أمس الثلاثاء، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف حصلا على "حصانة مؤقتة" من الولايات المتحدة وإسرائيل خلال جولة المفاوضات الجارية.
وبحسب القناة، تمتد هذه الحصانة طوال الأيام الخمسة المخصصة للمحادثات، بهدف ضمان مشاركة المسؤولين الإيرانيين دون التعرض لأي استهداف خلال فترة التفاوض.
وأضافت: "تؤكد هذه المعلومات ما سُمع خلال اليومين الماضيين بشأن المحادثات الجارية مع طهران".