رووداو ديجيتال
يقرأ الأكاديمي جمال الحلبوسي، بصفته خبيراً في ترسيم الحدود والمياه الدولية، أزمة غلق إيران لمضيق هرمز من ناحية قانونية بحتة. وبصفته أيضاً لواءً ركن سابقاً ومديراً للمساحة العسكرية في الجيش العراقي، خاض حرباً طويلة ضد إيران (1980-1988)، فإنه يحلل نتائج هذا الإغلاق والحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران برؤية مهنية تستند إلى وقائع الميدان.
ويصر الحلبوسي على أن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران "ممنوع ومحرم دولياً حسب قانون البحار الذي يلزم جميع الدول المتشاطئة"، وأن "هذه الخطوة ستجر الكثير من المشاكل على إيران التي ستخسر هذه الحرب بسبب قصفها لدول الخليج العربي وتأييد العديد من الدول الغربية للولايات المتحدة".
وقال الحلبوسي في حوار مع شبكة رووداو الإعلامية، اليوم الثلاثاء (10 مارس/آذار 2026)، إنه "كان على العراق أن يعمل على فتح منافذ أخرى لتصدير النفط وعدم الاعتماد على ناقلات النفط في الخليج العربي عبر مضيق هرمز الذي تتحكم به إيران"، منبهاً إلى أن "إيران قد تتقسم إلى عدة دول أو تواجه العقوبات مثلما حدث للعراق".
وفيما يلي نص الحوار:
رووداو: حسب القوانين والأعراف الدولية، هل من حق أي دولة تسيطر على أي مضيق في العالم إغلاقه لأسباب سياسية أو عسكرية مثلما تفعل إيران في مضيق هرمز اليوم؟
جمال الحلبوسي: لا يجوز لأي دولة إغلاق أي مضيق لأسباب عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، مثل مضيق ملقة في جنوب شرقي آسيا أو مضيق بنما بين الأمريكتين أو مضيق جبل طارق بين بريطانيا وإسبانيا. وما يتعلق بمضيق هرمز، فهو من حيث الموقع يعتبر من المضايق المهمة جداً لأنه يمر من خلاله 30% من النفط للدول الصناعية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين وشرق آسيا وأوروبا. لذلك لا يمكن إغلاق هذا المضيق قانونياً وعملياً، ولا يمكن التحكم به حتى لو كانت هناك حالة حرب. لا يجوز هذا سياسياً ولا عسكرياً حسب قانون البحار، وهو قانون ملزم لجميع الدول المتشاطئة، وإن كانت إيران لم تنضم له أو توقع عليه، فهو ملزم ويعتبر نافذاً على الجميع.
رووداو: تقع إيران على الساحل الشمالي للمضيق، بينما تقع شبه جزيرة (مسندم) على الساحل الجنوبي، والتي يشترك في إدارتها كل من الإمارات العربية المتحدة ومحافظة مسندم العُمانية. لماذا تعتبر إيران المضيق ملكها وتتحكم به؟
جمال الحلبوسي: إذا راعينا مخططات الجغرافيا والترسيم ومحددات البحر الإقليمي، لوجدنا أن الساحل الشمالي إيراني والساحل الجنوبي عُماني-إماراتي، لذلك لا يمكن لإيران إغلاقه. يمكن أن تفعل ذلك بالألغام أو بالمسيرات والصواريخ وتضرب السفن وناقلات النفط العابرة، وهذا دولياً غير مقبول لأن أهميته دولية ولا يمكن حصر استخدامه بجهة أو دولة أو تحالف معين، لأن معظم سفن وناقلات نفط العالم تمر من خلال هذا المضيق. ومن الخطأ أن تحاول إيران إغلاقه، وسوف يتسبب بمخاطر كثيرة على المنطقة. الأهم من هذا، ليس من حقها أن تسيطر على الجانبين، لأن البحر الإقليمي العُماني الإماراتي يسمح بمرور السفن وناقلات النفط دون الخضوع لسيطرة الجانب الإيراني. لكن مثلما قلت آنفاً، تهديد الحرس الثوري بقصف أو تفجير السفن وناقلات النفط يحول دون مرورها في المضيق.
رووداو: ما هي تأثيرات إغلاق أو التهديد بإغلاق مضيق هرمز على دول المنطقة وخاصة العراق، اقتصادياً؟
جمال الحلبوسي: إغلاق مضيق هرمز سيشل حركة الوقود عالمياً.
مقالات ذات صلة
الدول فوجئت بقيام الحرب التي قامت دون سابق إنذار سوى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لا سيما أنه كانت هناك مباحثات أميركية-إيرانية في سلطنة عُمان، لهذا لم تأخذ هذه الدول احتياطاتها لتخزين البترول والغاز. إغلاق المضيق سيتسبب باتساع دائرة الحرب، خاصة قيام إيران بقصف المنشآت النفطية والصناعية ومحطات تحلية المياه والمناطق المدنية في دول الخليج العربي، مما جعل هذه الدول تصطف مع الولايات المتحدة. بالنسبة للعراق، غلق المضيق يشل التجارة الخارجية وتصدير النفط تماماً.
رووداو: باعتقادك، لماذا لم يفكر العراق بإنجاز مشاريع منافذ أخرى لتصدير النفط بديلاً عن نقله عبر الخليج العربي؟
جمال الحلبوسي: كان هناك مشروع لتصدير النفط عن طريق الأردن عبر خط أنابيب يخرج من البصرة إلى حديثة ثم ميناء العقبة بكلفة 9 مليارات دولار، وكان المخطط تصدير مليونين ونصف المليون برميل من خلاله، لكن تدخل بعض الأطراف عرقل هذا المشروع، حيث ادعوا أنه يكلف 29 مليار دولار وسيكلف مرور البرميل الواحد من 3 إلى 5 دولارات. وكان للعراق خطان قديمان مع سوريا عبر ميناء بانياس وآخر مع لبنان عبر طرابلس، ولم يتم تفعيل هذين الخطين. وهناك خط تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي عبر إقليم كوردستان أو كركوك، لكن طاقته لا تتجاوز تصدير 200 ألف برميل يومياً، وهذا لا يتناسب مع ضخامة الطاقة التصديرية للنفط العراقي. وللأسف، لم يخطط العراق وينجز عدة أذرع بديلة لتصدير النفط، وكان هذا بسبب تخطيط بعض الأطراف التي أرادت إبقاء عملية تصدير النفط من خلال مضيق هرمز حتى تتحكم إيران بالتصدير من خلال إغلاق المضيق في أي وقت تشاء للتأثير على العراق اقتصادياً وسياسياً.
رووداو: هل سيجبر إغلاق مضيق هرمز دول المنطقة على الانخراط في هذه الحرب؟
جمال الحلبوسي: هذه الدول إما أن تكون مع إيران أو الولايات المتحدة، وأعني دول الخليج العربي خاصة، وبالتأكيد صارت مع أمريكا لأنها عانت من القصف الإيراني، مما يجعلها تقف مع الدولة التي تحميها.
رووداو: باعتقادكم، هل سيطول أمد هذه الحرب؟
جمال الحلبوسي: إذا استمرت الحرب بهذه الوتيرة التقليدية فسيطول أمدها، وهناك احتمال كبير أن تتغير المعادلة إذا اشتركت بعض الدول الأوروبية بسبب ما ستعانيه من نقص في الطاقة، والدول العربية التي طالها ويطولها القصف الإيراني، غير دول الخليج العربي، الأردن مثلاً، إضافة إلى تركيا وأذربيجان التي وجهت لها إيران صواريخها. وإذا طالت الحرب، قد يولد منعطف جديد وهو تحرك الداخل الإيراني لتغيير النظام، وهذا ما تراهن عليه أمريكا وإسرائيل.
رووداو: من الخاسر ومن الرابح في هذه الحرب؟
جمال الحلبوسي: الخاسر في هذه الحرب حتى الآن هي إيران، ستخسر قيادتها واقتصادها، ثم إسرائيل بالدرجة الثانية كونها مشاركة في الحرب وتتحمل أعباء القصف الإيراني والخسائر الاقتصادية. أما الدول العربية فلن تخسر أي شيء سوى القصف الذي يطالها من إيران، والآن تحركت منظومات الدفاع الجوي فيها كما أن تأثير المسيرات والصواريخ الإيرانية أصبح ضعيفاً. وإذا ما تمت معاقبة النظام الإيراني، مثلما جرى للنظام العراقي السابق، فسيكون هناك هدم في الداخل أو انقسامها إلى عدة دول حسب القوميات المكونة لإيران، وقد تجد جماعات غير خاضعة للنظام متنفساً للتحرك من أجل حريتها.
