يشهد النظام السياسي العراقي حالياً حالة انتقالية غير مسبوقة، إذ تحولت الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات بعد إجراء الانتخابات البرلمانية، وفق قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري رقم (213/اتحادية/2025).
وفي ظل مواجهة البلاد تحديات أمنية خطيرة تشبه حالة حرب غير مباشرة، تبرز نقاشات سياسية حول إمكانية الانتقال إلى *حكومة طوارئ واعلان الحرب* بصلاحيات واسعة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الإطار الدستوري لهذا التحول استناداً إلى المادة (61/تاسعاً) من دستور جمهورية العراق لعام 2005، مع التركيز على الشروط والضوابط والمخاطر المحتملة، خاصة فيما يتعلق بالوضع الدستوري لإقليم كوردستان.
المقدمة
ينظم دستور العراق لعام 2005 ثلاث حالات رئيسية للسلطة التنفيذية: الحكومة ذات الصلاحيات الكاملة (لمدة أربع سنوات)، وحكومة تصريف الأعمال (المؤقتة)، وحكومة الطوارئ والحرب (الاستثنائية). وفي الوقت الراهن، تعاني حكومة تصريف الأعمال من قصور في الصلاحيات، إذ لا تستطيع اتخاذ قرارات استراتيجية جوهرية، بينما يواجه الوضع الأمني في البلاد تهديدات جدية تتطلب استجابة سريعة وفعالة. لذا، يطرح بعض الأطراف السياسية إمكانية اللجوء إلى آلية الطوارئ المنصوص عليها دستورياً لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية مؤقتة.
أولاً: الحالات الدستورية للحكومة:
يحدد الدستور العراقي ثلاث حالات واضحة للحكومة:
1-الحكومة المنتخبة كاملة الصلاحيات: تمارس سلطاتها الكاملة لمدة أربع سنوات نيابية.
2-حكومة تصريف الأعمال: تبدأ مهامها من يوم إجراء الانتخابات البرلمانية، حيث تنتهي ولاية البرلمان السابق، وتقتصر مهامها على تسيير الأمور اليومية الاعتيادية دون اتخاذ قرارات مصيرية. وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا هذا المعنى في قرارها التفسيري رقم (213/اتحادية/2025).
3-حكومة الطوارئ والحرب: وهي حالة استثنائية تنظمها المادة (61/تاسعاً) من الدستور، وتتطلب إجراءات خاصة لإعلانها.
وتتميز حكومة تصريف الأعمال بطابعها المؤقت، إذ يفترض أن تنتهي بانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الجديدين خلال مدة دستورية لا تتجاوز شهرين، إلا أن الانسداد السياسي أدى إلى تجاوز هذه المدة.
ثانياً: الإطار الدستوري لحالة الطوارئ والحرب:
تنص المادة (61/تاسعاً) من الدستور على ما يلي:
أ- الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناءً على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.
ب- تعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد، وبموافقة عليها في كل مرة.
ج- يخول رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد أثناء مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ، وتنظم هذه الصلاحيات بقانون، بما لا يتعارض مع الدستور.
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
د- يعرض رئيس مجلس الوزراء على مجلس النواب الإجراءات المتخذة والنتائج أثناء مدة إعلان الحرب وحالة الطوارئ، خلال خمسة عشر يوماً من انتهائها.
يتضح من النص أن إعلان حالة الطوارئ أو الحرب يتطلب إجراءً مشتركاً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، مع ضمانات رقابية صارمة (مدة محدودة، تمديد مشروط، وعرض النتائج). كما أن الصلاحيات الاستثنائية يجب أن تنظم بقانون خاص لا يتعارض مع مبادئ الدستور.
ثالثاً: التحديات والمخاطر
رغم أن الدستور يوفر آلية واضحة لمواجهة الظروف الاستثنائية، إلا أن تطبيقها في السياق العراقي الحالي يثير عدة إشكاليات:
-الطابع المؤقت: يجب ألا تتحول حالة الطوارئ إلى وضع دائم أو طويل الأمد، لتجنب تحولها إلى أداة لتجاوز الديمقراطية أو الاستمرار في السلطة.
-الانسداد السياسي: قد يؤدي عدم التوافق إلى صعوبة الحصول على أغلبية الثلثين المطلوبة.
-الوضع الدستوري لإقليم كوردستان
يثير إعلان حالة طوارئ اتحادية تساؤلات حول تأثيرها على الصلاحيات الدستورية للإقليم، وعلى العلاقة بين المركز والأقاليم. ومن الضروري أن يساهم السياسيون والأكاديميون والخبراء الدستوريون في كوردستان في مناقشة هذا البعد بعمق.
الخاتمة
يمثل اللجوء إلى حكومة الطوارئ والحرب خياراً دستورياً متاحاً لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة، غير أنه يتطلب الالتزام الصارم بضوابط المادة (61/تاسعاً) للحفاظ على التوازن بين الفعالية والرقابة الدستورية. ويُعد هذا الوضع تجربة غير مسبوقة في الحياة الدستورية العراقية، تحمل جوانب إيجابية في تعزيز القدرة على مواجهة الأزمات، إلى جانب مخاطر محتملة تتعلق باحتمال التجاوز على المبادئ الديمقراطية. لذا، يتعين على جميع الأطراف السياسية والقانونية، بما فيها النخب الأكاديمية في إقليم كوردستان، المساهمة في صياغة رؤية واضحة تحمي الإطار الدستوري وتحافظ على وحدة البلاد وسيادتها.
المراجع:
- دستور جمهورية العراق لعام 2005.
- قرار المحكمة الاتحادية العليا التفسيري رقم (213/اتحادية/2025).
- دراسات قانونية سابقة حول حالة الطوارئ في الدستور العراقي.
