ستة شهداء وستة وثلاثون جريحاً من قوات البيشمركة في يوم واحد ليس خبراً عابراً يمكن أن يمر بصمت، بل جرح مفتوح في قلب كوردستان، ورسالة دامية تختبر صبر شعب اعتاد أن يدفع ثمن استقراره من دماء أبنائه وهذه ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها البيشمركة، ولن تكون الأخيرة ما دامت هناك أطراف ترى في استقرار إقليم كوردستان تهديداً لمشاريعها أو حساباتها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح إلى متى يبقى دم البيشمركة رخيصاً في معادلات السياسة؟ وإلى متى يترك الإقليم وحيداً في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة رغم أنه جزء من دولة يفترض أنها مسؤولة عن حمايته؟.
البيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية فقط بل رمز لكرامة شعب وتاريخه ونضاله هذه القوات التي وقفت في الصفوف الأمامية ضد الإرهاب، والتي دفعت ثمناً باهظاً في مواجهة تنظيم داعش، تجد نفسها اليوم هدفاً لهجمات لا تقل خطورة، لكنها هذه المرة تأتي في سياق سياسي معقد، يختلط فيه الإقليمي بالمحلي، وتتداخل فيه الرسائل العسكرية مع حسابات النفوذ.
ما حدث اليوم ليس مجرد قصف، بل هو اختبار حقيقي لجدية الحكومة العراقية في حماية جميع مكوناتها دون تمييز فإذا كان إقليم كوردستان جزءاً من العراق كما يقال في الخطابات الرسمية، فإن حماية أراضيه وأمن قواته ليست خياراً، بل واجب دستوري لا يقبل التأويل أما إذا استمرت هذه الهجمات دون ردع أو موقف واضح، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معنى الشراكة وحدودها.
الأخطر من ذلك أن استهداف البيشمركة لا يهدد الأمن العسكري فقط، بل يضرب الاستقرار السياسي والاقتصادي في الإقليم. فكل صاروخ يسقط لا يستهدف موقعاً عسكرياً فحسب، بل يزرع الخوف في نفوس المدنيين، ويبعث برسائل سلبية للمستثمرين، ويقوّض صورة الإقليم كمنطقة أمنة نسبياً وسط بحر من الأزمات.
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
ورغم كل ذلك لم تسع قيادة إقليم كوردستان إلى التصعيد، بل حافظت على خطاب متوازن، يؤكد أنها ليست طرفاً في الصراعات الإقليمية، ولا تشكل تهديداً لأي من جيرانها هذا الموقف، الذي يفترض أن يكافأ بالدعم والحماية، يبدو أنه يقابل بالصمت أو التجاهل في كثير من الأحيان.
إن دماء الشهداء الستة اليوم ليست مجرد خسارة عسكرية، بل هي نداء أخلاقي وسياسي لكل من يعنيه استقرار هذا البلد هي دعوة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، ليس من باب الخلاف، بل من باب المسؤولية المشتركة فلا يمكن الحديث عن دولة قوية بينما تنتهك أجزاء منها، ولا يمكن بناء ثقة حقيقية في ظل شعور دائم بالتهديد.
كما أن المجتمع الدولي، الذي لطالما أشاد بدور البيشمركة في محاربة الإرهاب، مطالب اليوم بأن لا يكتفي بالبيانات، بل أن يمارس دوراً أكثر فاعلية في حماية هذه القوة التي كانت شريكاً أساسياً في تحقيق الأمن الإقليمي وتبقى الحقيقة الأهم أن كوردستان لا تبحث عن حرب، لكنها أيضا لا تستطيع أن تقبل بأن تكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات فهناك فرق كبير بين ضبط النفس وبين القبول بالاستهداف، وبين الحكمة وبين الصمت القاتل.
ستة شهداء ارتقوا اليوم. مثواهم الجنة، لكن رسالتهم يجب أن تبقى حية كرامة هذا الشعب ليست قابلة للمساومة، ودماء أبنائه ليست تفصيلاً يمكن تجاهله وإذا لم يتحول هذا الألم إلى موقف واضح وحازم، فإننا سنجد أنفسنا نكتب غداً عن شهداء جدد، ونطرح الأسئلة ذاتها، من دون إجابات.
