عمر أحمد
يوم الأحد، وبينما كانت الصواريخ الإيرانية لاتزال تتساقط بالقرب من (مركز ديمونة للأبحاث النووية) في إسرائيل، لجأ دونالد ترمب إلى هاتفه المحمول، وكتب على منصة (تروث سوشيال): "إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل وبدون تهديدات في غضون 48 ساعة من هذه اللحظة، فإن الولايات المتحدة ستضرب محطات الكهرباء وتدمرها، وبدءاً من أكبرها".
ولكن قبل انقضاء الـ 48 ساعة، نشر منشوراً آخر مناقضاً تماماً، أعلن فيه عن إجراء "محادثات جيدة جداً ومثمرة" للتوصل إلى حل جذري للخلافات مع إيران، وبناءً على ذلك، أمر (وزارة الحرب) بتعليق جميع الهجمات العسكرية على محطات الكهرباء وبنية الطاقة التحتية في إيران لمدة 5 أيام.
ووفقاً لتصريحات دونالد ترمب، فإن هذا التعليق مشروط بنجاح الاجتماعات والمحادثات خلال هذه الأيام الخمسة، والتي من المقرر أن تستمر هذا الأسبوع. من جانبهم، نفى كبار المسؤولين الإيرانيين على الفور وجود أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، ووصفوا تصريحات الرئيس الأميركي بأنها محاولة للتأثير على الأسواق المالية.
ورغم تصريحات ترمب بتعليق الهجمات على منشآت الكهرباء، تعرض خط أنابيب الغاز لـ(محطة كهرباء خرمشهر)، ومبنى إدارة الغاز، ومستودع التحكم في ضغط الغاز في أصفهان للقصف فجر يوم الثلاثاء.
السؤال الرئيسي هنا هو: أي نوع من الهجمات يمكن لنظام الكهرباء الإيراني تحمله؟ وكيف يمكن للهجوم على منشآت الكهرباء أن يؤدي إلى إظلام المدن الإيرانية والتاثير على حياة الناس والمؤسسات في ايران؟
لقد منحت الولايات المتحدة إيران مهلة خمسة أيام. تهديدات ترمب حقيقية، ونظام الكهرباء الإيراني، رغم حساسيته العالية، يمتلك في الوقت ذاته قدرة معينة على الصمود.
نظام في قلب أزمة مستمرة
يكاد نظام الكهرباء الإيراني ينهار تحت ثقله وبسبب المشاكل في نظام الكهرباء، وهو معرض لأضرار جسيمة مع أي هجوم خارجي، لكن هذا لا يعني أن نظام كهرباء ايران يفتقر تماماً للقدرة على المقاومة. تبلغ طاقة إنتاج الكهرباء في إيران أكثر من 92 ألف ميغاواط، لكن هذا الرقم مجرد قدرة "نظرية". ورغم أن هذا الرقم منشور من قبل وزارة الطاقة الإيرانية، إلا أنه لا يعكس الواقع؛ إذ إن القدرة الحقيقية لإنتاج الكهرباء في إيران أقل بكثير، وتقدر بنحو 62 ألف ميغاواط.
ووفقاً لتحليل دقيق أجراه معهد كارنيغي للسلام الدولي نُشر في حزيران 2025، فإن عدة عوامل مثل تقادم المحطات التي تعمل بالبخار، والاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي، وسنوات الجفاف المتتالية، وارتفاع الطلب، قد خلقت فجوة كبيرة ومستمرة بين الأرقام الرسمية والواقع التشغيلي. متوسط كفاءة المحطات الحرارية في إيران أقل من 33%. وتشير تقارير مركز أبحاث البرلمان الإيراني إلى أن كفاءة بعض المحطات الجديدة حتى أقل من 30%، في حين أن المعيار العالمي للمحطات ذات الدورة المركبة (البخارية والغازية) يتراوح بين 55% و60%. ويذكر معهد كارنيغي أن حوالي 40% من الغاز الطبيعي والكهرباء المنزلية في إيران يُهدر أثناء الإنتاج والنقل.
ويقدر مركز أبحاث غرفة التجارة الإيرانية، في إحصائيات نُشرت عام 2025، أن انقطاع الكهرباء يسبب خسائر اقتصادية تقدر بنحو 18 تريليون تومان يومياً، يقع أكثر من 51% منها على عاتق القطاع الصناعي. فقد تعطل إنتاج الصلب والاسمنت في أصفهان ويزد وخوزستان عشرات المرات. وفي صيف عام 2024، خلال الأشهر الحارة، تم تزويد هذه الصناعات بـ 500 إلى 650 ميغاواط فقط، بينما كانت حاجتها الأساسية تتجاوز 1000 ميغاواط. وتجاوزت ديون الحكومة لأصحاب محطات الكهرباء الخاصة ملياري دولار بحلول بداية عام 2024، مما أدى إلى عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار. وبحسب (كارنيغي)، أنفقت إيران في عام 2023 حوالي 30 مليار دولار لدعم الكهرباء و52 مليار دولار لدعم المشتقات النفطية. ومن جهة أخرى، فإن منطق دعم أسعار الطاقة ورخص الخدمات جعل المستثمرين يبتعدون أكثر عن قطاع الكهرباء.
يقول سيد حميد حسيني، عضو لجنة الطاقة في غرفة التجارة الإيرانية، بخصوص دعم أسعار الطاقة: "الحكومة لا تجرؤ على رفع أسعار الطاقة، هي تحاول بأي شكل منع حدوث أزمة في هذا القطاع، لأنه يشبه برميل بارود يمكن أن ينفجر ويخلق اضطرابات في جميع أنحاء البلاد".
تزود إيران محطات الكهرباء سنوياً بـ 70 مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما يعادل 1.5 مرة من إجمالي استهلاك تركيا السنوي للغاز وفقاً لوزارة الطاقة الإيرانية، ومع ذلك لا يزال هناك عجز في الإنتاج. وفي شباط/فبراير 2024، أجبرت الهجمات الإسرائيلية السرية على خطي أنابيب غاز رئيسيين إيران على اللجوء إلى احتياطيات الطوارئ، مما أدى إلى عجز قدره 350 مليون متر مكعب من الغاز يومياً. وأعلن وزير النفط الإيراني، محسن باكنجاد، أن بلاده بحاجة إلى استثمارات بقيمة 45 مليار دولار فقط للنجاة من أزمة انقطاع الكهرباء في فصل الصيف، لكن لا توجد استثمارات تلوح في الأفق. وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، اعترف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عبر التلفزيون الرسمي بأنه إذا لم تُحل أزمة نقص الطاقة "فإن إيران ستواجه أزمة"، وأشار إلى أن الحكومة قد لا تتمكن من دفع رواتب المتقاعدين دون رفع أسعار الوقود.
المعنى الحقيقي للأرقام
تأتي مهلة ترمب لمدة 5 أيام في وقت (فصل الربيع) تستطيع فيه إيران التعامل مع الوضع بشكل أفضل، فأزمة الكهرباء في إيران هي ظاهرة صيفية بامتياز. وبحسب تحليل لمجلة (برينستون)، تشكل أجهزة التكييف حوالي 35% من حمل الكهرباء الوطني الإيراني، مما يعني أن الطلب في شهر آذار/مارس يقل بنحو 25 ألف إلى 30 ألف ميغاواط مقارنة بذروة الصيف. في صيف 2024، وصل العجز في الكهرباء الوطنية إلى حوالي 14 ألف ميغاواط، وهو ما يعادل ضعف إنتاج دولة مثل أذربيجان. وفي نهاية آذار، ينخفض الطلب إلى ما بين 30 ألف و38 ألف ميغاواط. ومع وجود قدرة إنتاج حقيقية تبلغ 62 ألف ميغاواط، فإن شبكة الكهرباء الإيرانية في الربيع تمتلك فائضاً يصل إلى 24 ألف ميغاواط، وهذا وضع مريح نسبياً بمعايير إيران.
محطات ايران الكهربائية
1. محطة دماوند الغازية-البخارية جنوب شرق طهران: قدرتها 2900 ميغاواط. تدميرها سيؤدي لفقدان 3.7% من القدرة "النظرية". في الربيع، يمكن تعويض هذا النقص بسهولة، لكن في الصيف سيؤدي لفقدان 15-20% من كهرباء العاصمة طهران.
2. 6 إلى 8 محطات رئيسية: (دماوند، نكا، شهيد رجائي، رامين، شهيد منتظري، كرمان، وپرند). في الربيع، يمكن للشبكة التحمل دون انهيار شامل، لكن في الصيف سيؤدي ذلك لعجز يتراوح بين 29 ألف و35 ألف ميغاواط، ما يعني انقطاع الكهرباء لـ 12-18 ساعة يومياً في المدن الكبرى، وانهيار الصناعة، وتوقف أنظمة المياه، وحالة طوارئ صحية.
