رووداو ديجيتال
في أول أيام عيد نوروز حيث يفترض أن توقد النيران رمزاً للحرية والانبعاث وأن تتوحد القلوب حول الفرح والهوية شهدت بعض المناطق في عفرين مشهداً مؤلماً لا يمكن السكوت عنه فبدلاً من أن يكون العيد مساحة للتلاقي والتسامح، تحول على يد مجموعة من المخربين إلى لحظة توتر واعتداء حين أقدم شبان على إهانة العلم الكوردي والتفاخر بذلك، في سلوك لا يعبر عن أخلاق مجتمع بل عن مشروع فتنة مرفوض.
إن العلم الكوردي ليس مجرد قطعة قماش ترفع في المناسبات، بل هو رمز لهوية شعب عانى طويلاً من التهميش والإنكار، ودفع أثماناً باهظة في سبيل الحفاظ على وجوده وثقافته، إهانة هذا الرمز في يوم مثل نوروز ليست مجرد تصرف فردي عابر، بل رسالة سلبية تحمل في طياتها محاولة لاستفزاز مشاعر ملايين الكورد وضرب أسس التعايش المشترك بين مكونات الشعب الواحد.
ما جرى في عفرين لا يمكن عزله عن سياق أوسع، حيث تسعى بعض الأطراف إلى زرع الفتنة بين الكورد والعرب، مستغلة أي فرصة لإشعال التوترات القومية لكن الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن هذه الأفعال لا تمثل الشعب العربي، كما لا تمثل قيم التعايش التي عاشتها شعوب المنطقة لقرون، إنها تصرفات مجموعات مأزومة، لا تملك مشروعا سوى التخريب ونشر الكراهية، وفي المقابل فإن رد الفعل يجب ألا ينجر إلى نفس مستوى الاستفزاز فالكورد، الذين جعلوا من نوروز رمزاً للحرية، يدركون أن قوتهم الحقيقية تكمن في وعيهم وتمسكهم بحقوقهم دون الوقوع في فخ الفتنة ومع ذلك فإن الصمت على هذه الانتهاكات ليس خياراً لأن تجاهلها يفتح الباب لتكرارها وتوسعها.
هنا تبرز مسؤولية الدولة السورية وعلى رأسها الرئيس السوري أحمد الشرع في اتخاذ موقف واضح وصريح فالدولة التي تسعى لإعادة بناء نفسها بعد سنوات من الحرب، لا يمكن أن تسمح بمرور مثل هذه الأفعال دون محاسبة إن حماية السلم الأهلي لا تتحقق بالشعارات، بل بتطبيق القانون على كل من يحاول العبث بأمن المجتمع، بغض النظر عن انتمائه وإن معاقبة المتورطين في هذه الحادثة ليست مجرد إجراء قانوني، بل رسالة سياسية وأخلاقية بأن سوريا الجديدة لا تقبل بالإهانة أو الإقصاء أو التحريض وهي أيضا خطوة ضرورية لإعادة الثقة بين مكونات الشعب، خاصة في ظل مرحلة حساسة تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية لا تقويضها.
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
كما أن على النخب السياسية والإعلامية أن تتحمل مسؤولياتها من خلال رفض خطاب الكراهية بشكل واضح، والعمل على نشر ثقافة الاحترام المتبادل فالكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة، حين تتحول إلى أداة تحريض وتأجيج وفي زمن وسائل التواصل، يمكن لمقطع فيديو أو منشور أن يشعل أزمة أو أن يطفئها بحسب الطريقة التي يتم التعامل بها و أن ما حدث في أول أيام نوروز يجب أن يكون جرس إنذار لا بداية لمسار تصعيدي، فالمجتمعات التي عانت من الحروب والانقسامات، لا تحتمل المزيد من الصراعات العبثية والكورد مثلهم مثل بقية الشعوب يبحثون عن الأمان والكرامة والاعتراف لا عن المواجهة، ويبقى السؤال الأهم هل نسمح لمجموعة من المخربين أن تسرق فرحة عيد وتزرع الكراهية بين شعوب عاشت معاً لقرون؟ أم نواجه هذا السلوك بحزم ونؤكد أن المستقبل يجب أن يُبنى على الاحترام لا الإهانة؟.
نوروز سيبقى عيداً للحرية، مهما حاول البعض تشويهه والعلم الكوردي سيبقى رمزاً مرفوعاً ليس فقط في ساحات الاحتفال، بل في وجدان كل من يؤمن بحق الشعوب في العيش بكرامة وسلام أما أولئك الذين يراهنون على الفتنة فمصيرهم أن يسقطوا أمام وعي الشعوب وإصرارها على التعايش مهما كانت التحديات.
