يقف إقليم كوردستان أمام معادلة قاسية ومعقدة حيث يفتح أراضيه لمرور النفط دعماً لاقتصاد العراق، بينما لاتزال الصواريخ تجد طريقها إلى مدنه ومنشآته الحيوية، هذه ليست مجرد مفارقة عابرة، بل تعبير واضح عن خلل عميق في طبيعة العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد، خلل يتكرر كلما اشتدت الأزمات وكأن الحلول دائماً تُطلب من طرف واحد.
فمن جهة يطلب من إقليم كوردستان أن يتحمل مسؤولياته الاقتصادية كاملة، وأن يسهم في تصدير النفط عبر أراضيه نحو الخارج في محاولة لإنعاش الاقتصاد العراقي وتجاوز أزماته المالية المتراكمة، ومن جهة أخرى يعيش الإقليم تحت تهديد أمني مستمر، حيث تتعرض بعض مناطقه ومنشآته إلى هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، في مشهد يضرب أساس الاستقرار ويضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة الدولة على حماية جميع أراضيها.
ورغم هذه الظروف، اختارت أربيل أن تتعامل بمسؤولية سياسية واقتصادية، وأبدت استعدادها لفتح طريق النفط، في خطوة تعكس حرصها على استقرار العراق ككل، لا على مصالحها الضيقة فقط. لكن هذا القرار بدلاً من أن يقابل بخطوات موازية تعزز الثقة، جاء في ظل استمرار التهديدات، وكأن المطلوب من الإقليم أن يؤدي واجباته كاملة دون أن يحصل على أبسط حقوقه وهو الأمان.
والأكثر إثارة للجدل أن المشهد يكشف تناقضاً يصعب تجاهله فالحكومة تبدو مستعدة للبحث عن حلول لتصدير النفط عبر منافذ مختلفة، وتفكر بأرقام وإمدادات لتعويض الخسائر لكنها في المقابل لم تتمكن حتى الآن من حسم ملف أمني بأن يمنع من استخدام الأراضي العراقية منصة لإطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيرة باتجاه الإقليم وهذا التناقض لا يمكن تبريره بسهولة، لأنه يمس جوهر فكرة الدولة نفسها وفي قلب هذا الجدل، يردد بعض المسؤولين في بغداد أن إقليم كوردستان جزء لا يتجزأ من العراق، وأن عليه الالتزام بالسياسات النفطية للدولة، خصوصاً ما يتعلق بتصدير النفط عبر جيهان التركي لكن هذا الطرح يفتح سؤالاً أكثر حساسية وواقعية، إذا كان الإقليم فعلا جزءا من الدولة، فكيف يعقل أن يتعرض لصواريخ وهجمات تنطلق من داخل الأراضي العراقية نفسها وبشكل شبه علني؟.
وما يزيد الصورة قتامة، أن هذه الهجمات لم تعد تقتصر على منشأت نفطية أو مواقع دبلوماسية، بل تجاوزتها لتطال المدنيين بشكل مباشر أو غير مباشر فالصواريخ التي تسقط عشوائيا لا تسأل عن هوية من تصيب، ولا تميز بين هدف عسكري وبيت سكني، ما يعني أن حياة الناس العاديين أصبحت جزءاً من معادلة الاستهداف وهذا الواقع يضع الجميع أمام حقيقة خطيرة نحن لا نتحدث فقط عن خرق أمني، بل عن تهديد يومي لأرواح الأبرياء، وعن حالة ترويع مستمرة تضرب الشعور بالأمان في عمق المجتمع وإذا كانت الدولة قادرة على فرض رؤيتها في ملف النفط، فلماذا تعجز عن فرض سيادتها في ملف الأمن؟ ولماذا لا تتمكن من إيقاف الجهات التي تتحرك داخل حدودها وتستهدف جزءا من أراضيها؟ هذه الأسئلة لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت تمس ثقة المواطن بفكرة الدولة وقدرتها على حماية الجميع دون تمييز.
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
هنا تتكشف المفارقة بوضوح أكبر اقليم كوردستان يعامل كجزء من العراق عندما يتعلق الأمر بالنفط والموارد، لكنه يترك في مواجهة التهديدات عندما يتعلق الأمر بالأمن وهذه معادلة مختلة لا يمكن أن تستمر، لأنها تقوض أساس الشراكة الحقيقية التي يفترض أن تقوم على توازن الحقوق والواجبات، إن استمرار هذه الحالة لا يهدد إقليم كوردستان وحده، بل يهدد صورة العراق بأكمله فالدولة التي لا تستطيع حماية جزء من أراضيها، ستواجه صعوبة في إقناع العالم بقدرتها على توفير بيئة مستقرة وامنة للاستثمار وكل صاروخ يسقط على مدينة في الإقليم هو رسالة سلبية لا تتوقف عند حدود الجغرافية، بل تمتد إلى سمعة الاقتصاد العراقي ككل.
لقد أثبتت التجربة أن أربيل كانت في كثير من الأحيان عامل استقرار في بلد مضطرب، وممراً اقتصادياً مهماً في أوقات الأزمات لكن هذا الدور لا يمكن أن يستمر إذا بقيت المعادلة الحالية على حالها، وإذا استمر الإقليم في دفع ثمنين، ثمن التهديد الأمني، وثمن الالتزامات الاقتصادية.
وفي النهاية لا يمكن الهروب من السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة كيف يمكن للنفط أن يعبر بسلام عبر أراضي الإقليم، بينما الصواريخ مازالت تسقط عليه؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة واحدة، إذا كانت بعض أجزائها تطالب بكل شيء، ولا تحصل في المقابل على أبسط حق، وهو الأمان؟.
