رووداو ديجيتال
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجد مدينة أربيل نفسها مرة أخرى في دائرة الخطر.
فالصواريخ والطائرات المسيرة التي تتساقط بين حين وآخر لا تثير القلق الأمني فحسب، بل تطرح سؤالاً أكبر وأكثر إلحاحاً: لماذا تُستهدف أربيل؟ ولماذا يُوضع إقليم كوردستان في قلب صراع لم يكن طرفاً فيه أصلاً؟
منذ اللحظة الأولى لتصاعد التوترات في المنطقة، كانت القيادة في إقليم كوردستان واضحة في موقفها، فقد أكدت مراراً أن الإقليم لن يكون جزءاً من أي صراع إقليمي أو دولي، وأن أراضيه لن تتحول إلى منصة لتهديد أي دولة مجاورة.
هذا الموقف لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل هو نهج استراتيجي اعتمدته
حكومة الإقليم منذ سنوات، يقوم على إبعاد الإقليم عن النزاعات وبناء علاقات متوازنة مع مختلف دول المنطقة.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الخيار نفسه يبدو وكأنه تحول، في نظر البعض، إلى سبب للاستهداف. فبينما تحاول أربيل أن تبقى بعيدة عن صراعات المحاور، تجد نفسها أحياناً في مرمى الصواريخ والطائرات المسيرة، في مشهد يعكس طبيعة الشرق الأوسط المضطرب، حيث قد تتحول المدن التي تختار الاستقرار إلى أهداف في صراعات أكبر منها.
أربيل ليست مدينة عسكرية، ولم تكن يوماً قاعدة للحروب. على العكس تماماً، فقد تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر المدن استقراراً في منطقة تعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة. ففي الوقت الذي كانت فيه مدن كثيرة في المنطقة تغرق في الفوضى والعنف، استطاعت أربيل أن تحافظ على قدر كبير من الأمن والاستقرار، وأن تصبح مركزاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، ومقصداً للشركات الدولية والمنظمات العالمية.
هذا الاستقرار لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسات واضحة انتهجتها حكومة الإقليم، تقوم على احترام التعددية، وحماية الأقليات، والانفتاح الاقتصادي، والابتعاد عن الدخول في معسكرات الصراع. ولهذا أصبحت أربيل مساحة للحوار وملتقى للدبلوماسيين وممثلي الدول والمنظمات الدولية.
لكن في الشرق الأوسط لا يُكافأ الاستقرار دائماً. ففي كثير من الأحيان يتحول النجاح نفسه إلى مصدر إزعاج لبعض القوى، خصوصاً عندما يثبت أن بناء نموذج مختلف في المنطقة أمر ممكن. ولهذا فإن استهداف أربيل لا يمكن النظر إليه فقط كحادث أمني عابر، بل كرسالة سياسية وأمنية تحمل أبعاداً أعمق.
الصواريخ التي تسقط قرب مطار أربيل أو في محيط مناطق حيوية ليست مجرد أدوات عسكرية، بل رسائل موجهة إلى الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي بناه الإقليم. فعندما تُستهدف المطارات، تتعرض حركة السفر والاستثمار للخطر، وعندما تُهدد منشآت الطاقة أو المناطق الاقتصادية، فإن الهدف لا يكون عسكرياً فقط، بل محاولة لضرب البنية التي يقوم عليها استقرار الإقليم.
إن البنية التحتية لأي منطقة هي العمود الفقري لحياتها الاقتصادية والاجتماعية، وعندما تُستهدف هذه البنية فإن الرسالة تكون واضحة، وهي إضعاف الاستقرار، وإرباك التنمية، وخلق مناخ من القلق والخوف. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: من المستفيد من تحويل أربيل إلى ساحة توتر؟
وإن ما يزيد من خطورة الوضع هو أن الصواريخ والطائرات المسيرة لا تقتصر على الأهداف العسكرية أو البنية التحتية، بل تمس المدنيين بشكل مباشر. فالأحياء السكنية، والأسواق، والمدارس، والمستشفيات تصبح مهددة في أي لحظة، ما يعكس قسوة الصراع وأثره الإنساني على شعب لم يشارك في النزاع.
استهداف المدنيين ليس مجرد تهديد لأرواح الناس، بل هو رسالة قاسية تهدف إلى زرع الخوف وإرباك حياة المجتمع المدني في مدينة كانت رمزاً للاستقرار والأمان. هذا الواقع يجعل حماية المدنيين أولوية قصوى، وما يحدث في أربيل لا يتعلق بصراع تقليدي بين جيوش، بل بمحاولة ضرب فكرة الاستقرار المدني نفسه.
وفي وسط هذه التطورات، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين هي مسؤولية الحكومة في بغداد؟ إقليم كوردستان جزء دستوري من العراق، وأمنه يجب أن يكون جزءاً من مسؤولية الدولة العراقية بكل مؤسساتها. الدستور لا يتحدث عن حماية مدينة دون أخرى، بل عن حماية كل أراضي البلاد دون استثناء. لكن الواقع في كثير من الأحيان يبدو مختلفاً.
فعندما تتعرض أربيل لهجوم، تأتي ردود الفعل الرسمية خجولة أو متأخرة، وكأن ما يحدث لا يمس سيادة العراق نفسها. وهذا التردد يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة لدى الشارع الكوردي حول موقع الإقليم في معادلة الأمن الوطني، وحول جدية الدولة في حماية جميع مواطنيها.
الأمر لا يتعلق فقط بهجوم عابر هنا أو هناك، بل بمبدأ أساسي يتعلق بسيادة الدولة. فإذا كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تنطلق من داخل الأراضي العراقية أو تمر عبرها لضرب مدينة عراقية أخرى، فإن ذلك يكشف عن خلل خطير في منظومة الأمن والسيادة. ومع ذلك، فإن القيادة في إقليم كوردستان ما زالت متمسكة بسياسة التهدئة وعدم الانجرار إلى الصراعات، فالإقليم يدرك أن الدخول في لعبة المحاور الإقليمية قد يجر المنطقة إلى مزيد من الفوضى، ولذلك يصر على الحفاظ على نهجه القائم على الاستقرار والانفتاح والتوازن.
غير أن الابتعاد عن الصراعات لا يعني أن تكون المدينة هدفاً مفتوحاً، فهذا الخيار يجب أن يُحترم، لا أن يُعاقب. وإذا كانت أربيل قد اختارت طريق الاستقرار بدلاً من الفوضى، فإن استهدافها لا يمثل خطراً على الإقليم وحده، بل على فكرة الاستقرار في المنطقة بأكملها.
لقد أثبت إقليم كوردستان خلال السنوات الماضية أنه قادر على أن يكون نموذجاً مختلفاً في الشرق الأوسط، نموذجاً للتعايش بين القوميات والأديان، وملاذاً آمناً لملايين النازحين الذين فروا من الحروب في العراق وسوريا. وهذا النموذج نفسه هو ما يجب أن يُحمى، لا أن يُستهدف.
وأن حماية أربيل اليوم ليست مسؤولية الكورد وحدهم، بل مسؤولية العراق كله، بل ومسؤولية المجتمع الدولي أيضاً. لأن سقوط مدينة الاستقرار تحت ضربات الصواريخ لن يكون مجرد خسارة لمدينة، بل خسارة لفكرة أن يكون هناك مكان في الشرق الأوسط المشتعل يمكن أن يعيش فيه الناس بسلام.
أربيل ليست مجرد مدينة، بل رمز لفكرة مختلفة في هذه المنطقة. وإذا كان هناك من يعتقد أن الصواريخ قادرة على إخماد هذه الفكرة، فإن التاريخ يثبت أن المدن التي بُنيت على إرادة الحياة لا تنهزم بسهولة. ستبقى أربيل مدينة تبحث عن السلام، حتى في أكثر الأزمنة ضجيجاً بالحروب.
