في شرق أوسط تحول إلى خرائط متحركة للنار، وإلى ساحاتٍ مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، تقف أربيل بهدوءٍ لا يشبه الصمت، وبثبات لا يشبه الحياد السلبي، بل يشبه موقفاً مدروساً اختار أن يكون خارج معادلات الفوضى.
أربيل ليست مجرد مدينة آمنة في محيط مضطرب، بل هي فكرة. فكرة تقول إن الاستقرار يمكن أن يكون قراراً سياسياً، لا نتيجة ظرف عابر، تقول إن التعددية ليست هشاشة، بل مصدر قوة، وتؤكد أن العيش المشترك ليس شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل عقداً اجتماعياً يومياً يمارس في الشارع، في السوق، في الجامعة، وفي مؤسسات الحكم.
الهجمات التي تتعرض لها أربيل بين حين وأخر لا تستهدف مدرجاً هنا أو موقعاً هناك، إنها تستهدف نموذجاً كاملاً تستهدف عاصمة إقليم كوردستان لأنها تمثل معادلة مختلفة عن السائد في المنطقة، معادلة الانفتاح بدل الانغلاق، والاستقرار بدل الفوضى، وبناء المؤسسات بدل عسكرة المجتمع.
من يهاجم أربيل لا يريد إرباك مدينة فقط، بل يريد كسر رمز. يريد أن يقول إن لا مساحة يمكن أن تبقى خارج التحالفات، ولا مدينة يحق لها أن ترفض أن تكون منصة لصراعات الآخرين، لكن الرسالة التي تتكرر من أربيل أوضح من كل الصواريخ لن نكون طرفاً في نار لا تخص شعبنا، ولن نسمح بأن تتحول أرضنا إلى صندوق بريد دموي بين القوى المتنازعة.
لقد اختارت قيادة الإقليم منذ سنوات سياسة الموقف المتوازن لا بوصفها هروباً من المواقف، بل باعتبارها موقفاً بحد ذاته، موقفاً يرفض الانجرار إلى صراعات المحاور، ويرفض تحويل الجغرافية إلى ورقة ضغط، ويرفض استخدام الاستقرار كورقة مساومة. وفي كل مرة تتعرض فيها أربيل للاعتداء، كان الرد محسوباً، عقلانياً، بعيداً عن المزايدات، لأن الهدف لم يكن تسجيل نقاط إعلامية، بل حماية السلم المجتمعي.
الشعب الكوردي يعرف أكثر من غيره معنى أن تتحول المدن إلى جبهات، يعرف معنى أن يكون الإنسان رقماً في نشرات الأخبار، لذلك يتمسك بالأمن كقيمة عليا، لا كخدمة حكومية عابرة، الأمن بالنسبة له هو شرط الحياة الطبيعية، هو المدرسة المفتوحة، والمستشفى العامل، والاستثمار الذي لا يهرب، والطفل الذي ينام دون أن يهتز على صوت انفجار.
أربيل اليوم ليست مدينة قومية مغلقة، بل فضاء مفتوحاً، فيها العربي والكوردي والتركماني والآشوري، فيها المسلم والمسيحي والإيزدي، فيها المستثمر الأجنبي والعامل البسيط، هذه التركيبة لم تأتِ صدفة، بل نتيجة قرار سياسي واع بأن قوة الإقليم تكمن في تنوعه، وأن حماية هذا التنوع مسؤولية استراتيجية لا تفصيلاً إدارياً.
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
ولهذا تحديداً تصبح أربيل هدفاً لأن استقرارها يحرج الفوضى. ولأن نموذجها يطرح سؤالاً غير مريح لماذا تستطيع مدينة في قلب العواصف أن تحافظ على توازنها، بينما تنهار مدن أخرى تحت ثقل الصراعات؟.
الإجابة ليست في الجغرافية، بل في الإرادة السياسية. في الإصرار على أن تكون المؤسسات أقوى من الميليشيات، وأن يكون القانون أعلى من السلاح المنفلت، وأن تكون الشراكات الدولية مبنية على المصالح المتبادلة لا على الارتباطات الأيديولوجية.
الرسالة التي يجب أن تقال بوضوح: إبعاد أربيل عن الصراع ليس مطلباً كوردياً فحسب، بل مصلحة عراقية وإقليمية ودولية. لأن سقوط مساحات الاستقرار واحدة تلو الأخرى يعني اتساع رقعة الفوضى التي لن تستثني أحداً. ومن يعتقد أن ضرب أربيل يغير ميزان القوى، فهو واهم لأنه يفتح بابا لفوضى لا يمكن التحكم بمساراتها، أربيل لا تبحث عن دور يتجاوز حجمها، لكنها ترفض أن يفرض عليها دور لا يخدم شعبها، لا تريد أن تكون رأس حربة لأحد، و لن تكون نقطة ضعف لأحد، تريد فقط أن تبقى كما اختارت لنفسها مدينة للحياة، مركزاً للاستثمار، مساحة للحوار، وعاصمة تحمي نموذجها المدني وسط محيط عسكري الطابع، وإن حماية أربيل ليست مسؤولية حكومة الإقليم وحدها، بل مسؤولية كل من يؤمن بأن الشرق الأوسط يحتاج إلى نقاط اتزان، لا إلى ساحات إضافية للاشتعال، فحين تستهدف مدينة اختارت السلام، فإن الصمت لا يكون حياداً، بل تواطؤاً غير مباشر مع منطق الفوضى.
وفي النهاية، يمكن للمدافع أن تصدر ضجيجاً أعلى، لكن التاريخ لا يكتب بالضجيج، يكتب بالمدن التي صمدت، وبالشعوب التي اختارت أن تبني بدل أن تهدم.
أربيل ليست مجرد عنوان على الخريطة. إنه قرار جماعي بأن السلام ليس ضعفاً، وأن الاستقرار ليس تنازلاً، وأن الكرامة يمكن أن تحمى بالعقل كما تحمى بالقوة وقد ترتفع أصوات السلاح، وقد تتكرر محاولات الترهيب، لكن الحقيقة أبقى المدن التي تبني مؤسساتها أقوى من الصواريخ، والشعوب التي اختارت الحياة لا تهزم بالخوف، والعواصم التي جعلت السلام هويتها لا تنتزع من موقعها بالقوة، أربيل لن تكون ورقة ضغط، ولن تتحول إلى رسالة دموية بين المتصارعين. ستبقى كما اختارت أن تكون عاصمة الاستقرار وعنوان التوازن ورمز الإرادة التي لا تکسر.
