لم أر الكورد يوماً بهذه الدرجة من الوحدة، لا في سوريا، ولا في العراق، ولا في أي محطة سابقة من تاريخهم المثقل بالمآسي، نعم تعرضنا للهجوم، ونعم سقطوا شهداء، لكن ما تحقق في هذه اللحظة يتجاوز الحسابات العسكرية والخسائر الآنية، حيث ربحنا وحدتنا، والوحدة حين تولد من الألم تصبح أقوى من أي سلاح.
ما يجري اليوم في سوريا ليس حدثاً أمنياً عابراً، ولا صداماً ظرفياً يمكن اختزاله في عناوين الاستقرار أو فرض النظام، ما يحدث هو مواجهة مباشرة مع جوهر القضية الكوردية الحق في الوجود، والهوية، والشراكة السياسية، إنها محاولة قديمة تتجدد، لضرب الكورد حين يطالبون بحقوقهم، لا حين يحملون السلاح فقط.
اللافت في هذه المرحلة ليس حجم الاعتداء، بل رد الفعل الكوردي عليه، للمرة الأولى منذ زمن طويل، بدا الكورد في سوريا والعراق، وحتى في بقية أجزاء كوردستان، وكأنهم جسد واحد لم تعد الخلافات الحزبية، ولا الحساسيات السياسية، ولا الجغرافية الممزقة قادرة على تفتيت الموقف الدم الذي سفك أعاد ترتيب البوصلة، والتهديد الوجودي أعاد تعريف الأولويات.
في هذا السياق، تكتسب التصريحات السياسية الأخيرة أهميتها لا بوصفها مجاملات دبلوماسية، بل باعتبارها انعكاساً لنضج الموقف الكوردي، حين يقول الجنرال مظلوم عبدي: "في إطار الجهود السياسية الرامية إلى تقريب وجهات نظرنا من الحكومة السورية، التقيت السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان العراق"، فهو لا يتحدث عن لقاء بروتوكولي، بل عن محاولة واعية لربط الميدان بالسياسة، والمقاومة بالحوار، من موقع قوة لا من موقع انكسار.
الأهم في كلام عبدي هو تأكيده الامتنان العميق لجهود الرئيس مسعود بارزاني ورئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في هذه المرحلة الحساسة، والاستمرار بدعم الجهود السياسية بالتنسيق مع الوساطة الأمريكية، بهدف وقف إطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات، وتنفيذ الاتفاقيات الموقعة هذا الكلام، بوضوحه وتوقيته، يعكس إدراكاً كوردياً متقدماً، المعركة ليست فقط في الشارع أو على خطوط التماس، بل أيضاً على طاولة السياسة، حيث تنتزع الحقوق أو تسرق.
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
ما يمنح هذا المسار مصداقيته هو أن إقليم كوردستان، بقيادته ومؤسساته، لم يقف يوماً موقف المتفرج تجاه ما يتعرض له الكورد في سوريا. على العكس، يحظى موقف الإقليم، كما قال عبدي، باحترام وتقدير كبيرين من شعبنا، لأنه موقف ثابت، لا يتغير بتغير الرياح الإقليمية، ولا يقايض الدم الكوردي بحسابات آنية.
الوحدة التي نراها اليوم لم تأت من فراغ. إنها نتاج سنوات من التجربة، ومن إدراك قاس لحقيقة واحدة الكورد حين يتركون وحدهم يكونون هدفاً سهلاً، وحين يتوحدون يصبحون معادلة صعبة ما أخطأ فيه خصوم الكورد هذه المرة أنهم ظنوا أن الضغط سيعيد الانقسام، فإذا به يولد وعياً جمعياً جديداً، يرى في الوحدة خط الدفاع الأول.
إن ما يجري في سوريا اليوم يجب أن يكون لحظة تأسيس، لا ردة فعل مؤقتة، لحظة تُبنى عليها شراكة كوردية داخلية أعمق، ورؤية سياسية أوضح، تغلق الطريق أمام استغلال الانقسامات، وتُحوّل التضحيات إلى مكاسب سياسية حقيقية.
قد يخسر الكورد معركة هنا أو هناك، وقد يدفعون ثمناً باهظاً كما فعلوا دائماً، لكنهم اليوم ربحوا ما لا يقدر بثمن. ربحوا وعيهم الجماعي، ووحدتهم، وإيمانهم بأنهم حين يقفون معاً، لا توجد قوة قادرة على كسرهم.
