يحكى أن قريتين كانتا تتنافسان في "خدمة الناس"، الأولى زرعت شجرة فسقتْها كل صباح حتى أصبحت غابة، أما الثانية فقد عقدت اجتماعا طارئا لتشكيل لجنة تدرس أسباب غياب الشجرة. بعد عشر سنوات أصبحت القرية الأولى تصدّر الأوكسجين بينما سكان الثانية ما زالوا يختنقون في قاعة الاجتماعات.
الحكاية لا علاقة لها بالخيال بقدر ما تشبه مشهدنا السياسي، وأقرب ما تكون إلى واقعنا العراقي حين ننظر إلى ما أنجزه إقليم كوردستان تحت قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني مقارنة بما شهدناه في بقية البلاد من "نهارات" بلا كهرباء و"مشاريع" بلا أساس، ففي إقليم كوردستان حيث كانت الجبال شاهدة على الحروب والحرمان نبتت جامعات ومطارات وجسور وانتعشت قرى كانت بالأمس بلا طريق ولا مدرسة، في أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة لا تسأل عن المستشفيات الحديثة أو المناطق الصناعية أو شبكات الطرق التي تنافس دول الجوار بل اسأل: كيف استطاع الإقليم أن يبني كل هذا رغم قلّة الموارد وكثرة العُقد السياسية؟.
في إقليم كوردستان ترى الإعمار حقيقة أما في كثير من مناطق العراق الأخرى فالإعمار فكرة جميلة جدا لكنها "قيد الدراسة"، فتضاء الشوارع في كوردستان قبل افتتاحها وفي أماكن أخرى يُقصّ الشريط الأحمر قبل أن تُوضع الأعمدة، هناك تبنى المدارس كي يتعلم الأطفال وهنا تبنى الشعارات ليصفق السياسيون، هناك ترى مطارا دوليا يربط الإقليم بالعالم وهنا ترى مطبا ترابيا يربط المواطن بذكرياته القديمة.. في كوردستان الطرق تعبد لتصل الناس إلى أعمالهم، وفي المقابل في المدن التي تفيض نفطا وأنهارا وميزانيات "انفجارية" مازال المواطن يبحث عن "مشروع مكتمل" كما يبحث الرحّالة عن نبعٍ في صحراء، فكل عام تعلن خططٌ جديدة وموازنات ضخمة ثم تتبخر كما يتبخر الحبر من توقيعٍ لم ينفذ، حيث تعبد الطرق في موسم الانتخابات لتصل المسؤول إلى المهرجان ثم تترك للمطر "ينقّيها" ومشاريع إسكانٍ تبدأ باحتفالٍ رسمي وتنتهي بلا حجرٍ واحد مرفوع.. أما في كوردستان تبنى الجسور فوق الوديان، وفي بغداد تبنى الوديان تحت الجسور من شدّة الانتظار.. في دهوك والسليمانية تُفتتح الجامعات والمعامل والمصانع، وفي بعض المناطق الأخرى تُفتتح المكاتب والهيئات "لمتابعة أسباب تعطّل المعامل" لتسأل نفسك أحيانا: كيف استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن يحوّل أرضا مثقلة بالحروب إلى إقليمٍ نابض بالحياة؟ والجواب بسيط: لأنهم في كوردستان اشتغلوا قبل أن يتكلموا، في حين تلكم آخرين قبل أن يشتغلوا فبقوا في مرحلة "الكلام".
مقالات ذات صلة
اراء25/03/2026
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
اراء25/03/2026
الاقتصاد الإسرائيلي في ظل حرب طويلة الأمد
. ففي كوردستان موازنة صغيرة صنعت إنجازا كبيرا، وهنا موازنات ضخمة خلّفت طرقا "حفريّة"، وفي كل مرة يسأل المواطن من أحد السياسيين في الجنوب أو الوسط: لماذا لم يكتمل المشروع؟ ليجيب الأخير بكل ثقة ويقول مبتسما: تم تشكيل لجنة. بينما في كوردستان لو سألت السؤال نفسه سيأخذك الموظف إلى المشروع المنجز ويقول: تفضل شوف بعينك.
الفرق باختصار أن الديمقراطي الكوردستاني حوّل الجبال إلى مصانع، وآخرون حوّلوا المصانع إلى "جبالٍ من الأوراق"، ولأن المواطن لا يعيش على الوعود بل على الخدمات فقد فهم الناس أن من يزرع الطرق والمدارس والمستشفيات هو من يستحق الثقة، أما من يزرع اليافطات والشعارات فهو من يحصد التصفيق، لا التنمية.
ولأن الشعوب لا تقاس بكثرة وعودها بل بما ينجز على الأرض فإن كوردستان اليوم تقف شاهدة على تجربةٍ سياسية استطاعت أن تُحوّل الصعوبات إلى فرص والتحديات إلى إنجازات، فمن أراد أن يرى الفرق بين من بنى وطنا ومن بنى خطاباتٍ عن الوطن فليتجوّل يوما في شوارع أربيل الحديثة ثم يسافر بعدها إلى مدينةٍ أخرى في الجنوب أو الوسط ليرى كم من الوقت استغرق فيها مشروع صرف صحي واحد، إنها ليست مقارنة في "النيات" بل في النتائج، فهناك استقرار وتنمية وخطط وهنا لجان وتحقيقات ومشاريع "قيد الدراسة" منذ عقدين.
وفي نهاية الحكاية حين تقترب الانتخابات ويبدأ موسم "التبريرات" ويقف الناخب أمام صناديق الاقتراع فعليه أن يتذكر أن من أشعل مصباحا في الصحراء لا يمكن أن يكون مثل من أطفأه في المدينة، وما بين هذا وذاك تتضح المعادلة بين من يعمل بصمتٍ ويبني وبين من يتحدث كثيرا ويضيع في صدى شعاراته. تذكروا تلك القرية التي زرعت الشجرة، فهي لم تكن تملك لجانا.. لكنها كانت تملك إرادة.. فقائمة الحزب الديمقراطي الكوردستاني 275 صوتٌ لمن أنار الطريق ولم يضيّع الوقت، صوتٌ للإعمار لا للإعذار، صوتٌ لمن جعل كوردستان نموذجا يحتذى… لا شعارا يتلى.
