رووداو ديجيتال
يرى الكاتب والصحفي العراقي فلاح المشعل، رئيس تحرير جريدة (الصباح) الأسبق، أن الإعلام العراقي لم يتعامل مع موضوعة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بمهنية، بل إن غياب: "الإعلام العراقي ليس فقط في الحرب، وإنما في جميع الأزمات التي مرت بالبلد خلال الـ 23 سنة الماضية، وهو إعلام ينطلق من انتمائه أو انكفائه الذاتي، إذا كان طائفياً يعبر عن مضامين حزبه أو طائفته، وإذا كان مناطقياً أو عنصرياً أو قومياً وهكذا، يعني فقد وحدة المضمون أو وحدة الفكرة للتعبير عن المصالح الوطنية أو المواطن العراقي، هذه حقيقة ارتبطت بإشكالية أو البنية السياسية للمشهد أو الموقف أو النظام السياسي العراقي".
ووصف الإعلام العراقي بأنه "ماكينة دعائية إعلانية، ولا نستطيع أن نسميه إعلاماً، بسبب أدائه الفاشل، لأنه يفتقد للمهنية.. الإعلام مهنة لا تعمل وفق قواعد ثابتة، ويفترض به أن يحرر ذهن المواطن ويقرأ ويشكل الرأي العام ويشتبك مع مؤسسات الدولة والسلطات السياسية.. عندنا وسائل دعائية فاشلة ومكررة".
المشعل قال لشبكة رووداو اليوم الأحد 22 آذار 2026، حول تعامل الإعلام العراقي مع الأوضاع الراهنة: "لا نستطيع أن نؤشر إلى موقف إعلامي عراقي، بل نستطيع أن نقول موقف إعلامي شيعي أو سني أو كوردي، لكن أن نقول موقف إعلامي عراقي بهذا التوصيف الشمولي أو الوطني، هذا بتقديري غائب حقيقة، لأنني ألاحظ الآن، مثلاً، الإعلام الكوردي يتحدث عن صواريخ أو مسيرات تقصف إقليم كوردستان من قبل الفصائل المسلحة أو يتعرض لضربات إيرانية، وهو، الإعلام الكوردي، واضح وصريح بتوصيف ما يتعرض له ويعبر عن موقفه بإدانات أو باستنكار هذا العدوان، لكن الإعلام الكوردي لا يتحدث عن الضربات التي تتعرض لها الفصائل أو الألوية التابعة للحشد، بالمقابل (الإعلام الشيعي) لا أسميه هكذا بين مزدوجين، يستنكر العدوان الإسرائيلي والأميركي، لكنه لا يستنكر العدوان أو الضربات الإيرانية على أربيل". منبهاً إلى "هنا بالحقيقة بدأت الآن الانعزالات أو الانكفاءات الذاتية.. هذه تعبر عن جوهر أو مضمون المحاصصة، يعني انكشاف آخر للمستور العراقي، أما إذا أخذنا الدور أو الإعلام الحكومي العراقي فهو الآخر مرتبط بموقف الحكومة، والموقف الحكومي ضعيف ومقتضب وضبابي، وتجد الإعلام أيضاً ضبابياً، وتبقى النزعات تتحكم به، مثلاً اليوم من الذي يهيمن على الإعلام الحكومي، أية جهة؟ إذا كانت جهة معتدلة تجد الإعلام معتدلاً، وإذا كانت جهة متطرفة يكون الإعلام متطرفاً، المشكلة أن الإعلام الحكومي لم يخرج عن هيمنة الأحزاب الشيعية سواء كان حزب الدعوة أو غيره من الأحزاب".
وفي رده عن غياب أو الافتقار للمصداقية في هذه الحالة، قال: "ليس فقط الافتقار للمصداقية، وإنما يفتقد للواقعية ويتخلى عن مهنيته، ونحن نتفق على أن مهمة الإعلام هي نقل الحقائق، نقل الخبر من مصادره إلى المتلقي، أنت تعمل في شبكة تنقل أخباراً إلى الرأي العام باعتبار أن هذه المعلومة هي حق من حقوق المواطن، ويبقى أن هناك من يحلل أو يجتهد بتحليل هذه الخبرية، تأتي بواحد من الشرق وآخر من الغرب، وكل واحد ينظر للأمر من جانبه، والمواطن هو الحكم والفيصل في أيهما أفضل أو أكثر صحة أو اقتراب من الحقيقة أو أكثر دقة، لكن هذه الصفة مفقودة عندنا في العراق للأسف، وهذه واحدة من عناوين الفشل بعدم وجود مؤسسة إعلامية خالصة تشتغل وفق منهجيات وطنية تهم جميع العراقيين. هذه إشكالية حقيقية".
وحول البيانات التي تصدر عن الجهات الإعلامية الحكومية التي تصف هذه الجهة مرة بـ "الجهات المجهولة" وأخرى بـ "الخارجة عن القانون" دون تسميات محددة، أوضح: "حتى البيان الذي صدر أمس، السبت، الحكومة لم تستطع حتى أن تسمي أو تحدد من هي الجهة التي أطلقت المسيرات على مقر جهاز المخابرات الوطني، التي ضربت وأذت واستشهد بسببها ضابط عراقي وجرح آخرين، هذا الموضوع حوّل الإعلام إلى مسخرة، والذنب ليس ذنب الإعلام، إنما الموقف السياسي المعبر عنه بالإعلام. أنت لا تستطيع أن تدون اليوم، وهذه مرحلة مهمة وحساسة من تاريخ العراق، أية معلومات، إذن كيف ندون هذه الأحداث الخطيرة في تاريخ العراق؟ ليست هناك بيانات مهمة وصريحة، حتى إذا فكر أحد بدراستها، أعني هذه المرحلة، أكاديمياً، فلا أحد يستطيع أن يخرج بأي معلومة، لأنها كلها مجهولة".
المشعل أضاف: "أنا نشرت مقالاً قبل قليل على حسابي في السوشيال ميديا، كتبته للتاريخ، غداً أو بعد 10 أو 20 سنة سوف يسألوني ككاتب ماذا كان دوري، في الأقل كشاهد وليس فاعلاً، كتبت كتثبيت موقف، لكن هؤلاء لا يفهمون القضية.
. حقيقة هو عدم إدراك أو وعي لدور السلطة.. لا يفهمون معنى السلطة، هناك أزمة بالعقل السياسي الذي لا يفهم دور الإعلام.. وهو دور يختلف عن دور العسكري إذا كان ضابطاً أو الجندي أو عن دور الطبيب، نعم لكل دوره، لكن الأزمة عندنا هي أزمة وعي سياسي، أزمة فلسفة فكرية غائبة.. هناك ثوابت للإعلام تختلف عن منهجيات أو ثوابت السياسة للسلطة، لكن هناك دمج وخلط بين السياسة والسلطة وغياب التوصيف الدقيق لكل مسار من مسارات الدولة، هذا هو الموضوع".
وحذر الكاتب والصحفي فلاح المشعل من أن: "الإعلام عندما يتحول إلى ماكينة دعائية يفقد مضمونه كشاهد على مآسي الحروب والانتكاسات وانعطافات حادة في تاريخ الإنسانية، هذه هي الأزمة الحقيقية، الإعلام شيء والسياسة شيء آخر.. أنا حالياً تعجبني الكثير من الفضائيات التي تنقل الحقائق، على سبيل المثال لا الحصر، عندما يتم قصف الأراضي السعودية تعلن فضائية العربية، وهي سعودية، عن هذا القصف وتعرض الفيديوهات والصور، الفضائيات المهنية تقول هذا الموقع تم قصفه وتعرض الأفلام والصور لأن هذه الحقائق لا يمكن أن تغطى بادعاء أو بيان أو تصريح". مؤكداً بقوله: "أنا ضد فكرة التصريح التي تهيمن على العقلية الإعلامية الحاكمة أو المتسيدة، واليوم عندنا سلطات كثيرة لكنها تعيش وتعمل بنفس العقلية والنمطية وهي إعلام التصريحات والتهويل.. تابع الإعلام الشيعي مثلاً، يركز على خسائر إسرائيل ولا يتحدث عن خسائر إيران أو لبنان، بالمقابل تجد الإعلام المغاير له يركز على خسائر إيران والكوارث التي حدثت وتنشر صورها وتغطي على خسائر إسرائيل أو الولايات المتحدة وعدد القتلى، بينما نجد قنوات مثل (فوكس نيوز) أو (سي إن إن) هي الأكثر قدرة على عرض المشهد بوضوح، يقف إعلامي أو تتحدث صحفية أميركية وتقول لترمب هذه حربك خسرانة، وبذات الوقت يعرضون موقف من يدافع عن ترمب، هذه الموضوعية مفقودة عندنا بالإعلام والسبب هيمنة النظرة السياسية الأحادية.. مشكلتنا في النظام السابق أنهم كانوا يضعون أدباء شعراء أو كتاباً على رأس المؤسسات الإعلامية باستثناء الكاتب الراحل أمير الحلو، وهذه قيادات بعثية تؤدلج الإعلام وتضعه في إطار أدبي تفقده مهمته الحقيقية وهي المهنية والمصداقية والبحث والاستقصاء".
وفيما إذا كان الإعلام الحالي في العراق يستسهل عقلية المواطن؟ قال: "بالتأكيد هذا ما يحدث، هم يظنون بأنه من السهل التعامل مع المتلقي بهذه الطريقة، دعني أقول لكم: أنا عندي مجموعة من الأصدقاء والجيران، منهم من مستواه المعرفي راقٍ ويبحث عن الحقائق، ومن هو متواضع وبسيط، أسألهم كيف تتابعون أخبار الحرب، هناك من يقول أنا أتابعها على فضائية (الحرة) وآخر (العربية) أو (الحدث) أو (الجزيرة)، نادراً ما يقولون نتابعها عبر القناة الرسمية (العراقية)، أسألهم ماذا تجد في (العراقية) يقول هي محطة الدولة، وما تزال هذه العقلية بأن إعلام الدولة له مصداقيته وتبث ما هو صحيح، وهو يعني البيانات التي تحدد يوم العطلة وموعد صرف أو زيادة الرواتب، هذا المفهوم ترسخ باللاوعي.. لكن في النظم الديمقراطية لا يوجد إعلام حكومي، هناك البث العام الممول من قبل البرلمان، وشبكة الإعلام العراقية أُسست وفق هذا الأساس، البث العام، وتتبع البرلمان لكنها مرتبطة منذ البداية وحتى الآن بمكتب رئيس الوزراء والتوجيهات تأتي من مكتبه الإعلامي".
وفي رده عن سؤال: باعتقادك لماذا لم يستبدلوا الشبكة بوزارة الإعلام؟ قال: "هذه هي الفكرة، هم لا يفهمون لماذا لا توجد في النظم الديمقراطية وزارة إعلام؟ نظام وزارة الإعلام يشتغل لخدمة إعلام النظام السياسي وهي جزء منه، لكن وظيفة الإعلام ليست هذه بل نقل الأخبار والمتابعة والرقابة والاستقصاء، وهذه مهمة ترتبط بالبرلمان لأنها ذات الوظيفة لمجلس النواب وهي التشريع والمراقبة والمحاسبة، لكن الأزمة بالعقل السياسي الذي لا يستوعب". مستدركاً: "تجربتنا في جريدة (الصباح) مثلاً، عندما كنت رئيساً لتحريرها أن الصحفيين كانوا يشكون من أن الوزير أو المسؤول الفلاني يمنع دخول الصحفيين الذين ينتقدون أو يكشفون أخطاء الوزارة لأننا ننشر شكاوى المواطنين، هذا الوزير أو ذاك المسؤول يعتقد أن هذا الإعلام معادٍ له لأنه ينشر عيوب وزارته، والحالة الطبيعية أن هذا المسؤول يجب أن يعتبر الصحافة هي مرآة تكشف الخلل في عمل وزارته ليعالجها".
