رووداو ديجيتال
عندما تدخل مبنى سفارة الولايات المتحدة في بغداد، والتي تتمدد على 104 فدان (42 هكتاراً)، ويُعدّ هذا المجمع الأكبر للبعثات الدبلوماسية الأميركية، أكبر من دولة الفاتيكان، ويُعادل حجمه حوالي 2.5 ضعف حجم سفارة الولايات المتحدة في بيروت، ثاني أكبر بعثة دبلوماسية أميركية في الخارج، وأكثر من ثلاثة أضعاف حجم سفارة الولايات المتحدة في إسلام آباد، ثالث أكبر بعثة دبلوماسية أميركية في الخارج.. عندما ستكون هناك ستشعر فوراً بأنك خارج العراق، ليس لأن السفارة ملكاً للإدارة الأميركية، بل لما تحتويه في داخلها من أبنية وأسواق ومرافق سياحية وأمنية وعمارات سكنية.
قلعة منيعة
أتيح لي زيارة مبنى السفارة الأميركية ببغداد ثلاث مرات لأغراض صحفية بحتة، وكنت في كل مرة أجد متسعاً من الحرية لأن أتجول في بعض أرجائها المسموح بها، وأيضاً في كل مرة أكون بداخلها يتملكني شعور بأنني داخل قلعة حصينة للغاية عصية على الهجوم أو الاجتياح، مع أنها تعرضت في 31 كانون الأول عام 2019 لاقتحام محدود للغاية من قبل "ميليشيات موالية لإيران"، حسب وصف مجلة "التايم" الأميركية نقلاً عن ضباط أميركيين، في محاولة للرد على مقتل 25 من عناصرها في غارة أميركية في 29 كانون الأول، رداً على مقتل جندي أميركي وإصابة 4 آخرين في استهداف مواقع تضم قوات أميركية في بغداد.
بالتأكيد احتجت إلى موافقات مسبقة، ثلاثة أيام قبل الزيارة الأولى، والتواجد قرب البوابة من وقت مبكر، وكأي بعثة دبلوماسية، أميركية خاصة، خضعت لتفتيش دقيق والتأكد من أوراقي وجواز سفري وبقية البطاقات التعريفية. أخذتني مرافقتي، موظفة دبلوماسية في القسم الصحفي، قبيل موعد اللقاء، في جولة بين المرافق المسموح بها. بداية شعرت بأنني داخل مدينة تشكل لغزاً معمارياً مغلقاً، فعلى شمال المدخل تقع الأبنية السكنية والبالغ عددها 6 أبنية من بين 21 بناية مخصصة للدبلوماسيين، السفير ونائبه والقنصل ودائرته، وبقية المكاتب والإدارات، مثل: قسم الشؤون العامة، قسم سيادة القانون، الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، والقسم التجاري الأميركي، إضافة طبعاً لقسم الشؤون القنصلية.
صناديق محصنة
أبنية السفارة بمثابة صناديق محصنة، تضم شبابيك صغيرة ذات زجاج مدرع سميك للغاية غير قابل للفتح، فالأوكسجين يُضخ للغرف مع وجود أجهزة تبديل الهواء، أي أن المقيمين يتنفسون هواءً معلباً وليس الهواء الطبيعي، وسمك الجدران والزجاج المحصن منيع للغاية بوجه أي متفجرات. قلت لمرافقتي: "هذا يعني أنكم تعيشون في صناديق مغلقة، لا تتنفسون الهواء الطبيعي ولا تشاهدون ما هو خارج غرفكم بحرية؟"، أجابت: "نعم.. هذا لدواعٍ أمنية، نحن نعيش في صناديق محصنة وآمنة على حياتنا".
بالرغم من أن بناية السفارة الأميركية تقع في واحد من أجمل المواقع ببغداد، تحتل ضفافاً واسعة على نهر دجلة، على شمال القصر الجمهوري، لكن العاملين بداخلها لا يشاهدون النهر، وليست هناك إطلالة من داخلها على النهر الذي تفصله عنه أسوار كونكريتية مسلحة بالأسلاك الشائكة والكاميرات.
أيضاً سألت مرافقتي عن سبب اختيار هذا الموقع الذي كان يمكن أن يكون واحداً من المواقع السياحية في بغداد، ما دمتم لا تطلون عليه ولا تشاهدونه، لماذا لم يتم اختيار موقع آخر بعيد عن المدينة مثلاً؟ أجابت مازحة: "لم يسألني أحد عن رأيي بالموقع". واستطردت: "لكني أعتقد أنه تم اختيار الموقع لأسباب أمنية مدروسة بعناية".
تخيلت هذا المكان كموقع لمنتزهات واسعة، 104 فدان، خاصة في منطقة كانت تزدحم بالبساتين، أو فنادق حديثة، مع أنهم حصلوا على قطعة الأرض في عهد رئاسة إياد علاوي مجاناً تقريباً، لكنها تعد البناية الأكثر تكلفة إنشاءً، أكثر من 750 مليون دولار تقريباً.
الفضاءات المفتوحة داخل السفارة مكيفة، وتضم مطاعم ومقاهي وأسواقاً تعرض السلع بأسعار مخفضة ومسابح وملاعب تنس وقاعات رياضية وسينما ومرافق معالجة المياه والنفايات ومحطة توليد الطاقة ومبنيين رئيسيين للمكاتب الدبلوماسية، ومرافق ترفيهية تشمل صالة ألعاب رياضية وصالة عرض سينمائية.
مجمع السفارة محصن تحصيناً شديداً، حتى بمعايير المنطقة الخضراء. التفاصيل سرية إلى حد كبير، ولكن من المرجح أن يشمل وجود فرقة كبيرة من حرس الأمن التابع لقوات مشاة البحرية الأميركية. تشمل التحصينات محيطاً أمنياً عميقاً، ومبانٍ معززة بمستويات تتجاوز المعايير المعتادة، وخمسة مداخل شديدة الحراسة.
علاقات متباينة
وحسب معلومات الموسوعة العربية فإن بناية سفارة الولايات المتحدة الأميركية في العراق افتُتحت في كانون الثاني 2009 بعد سلسلة من التأخيرات في أعمال البناء. وقد حلت محل السفارة السابقة التي افتُتحت في 1 تموز 2004 في القصر الجمهوري بالمنطقة الخضراء في بغداد، وبلغت تكلفة بناء مجمع السفارة 750 مليون دولار أميركي، ووصل عدد موظفيه ومتعاقديه إلى ذروته عند 16,000 موظف ومتعاقد في عام 2012. بعد ذلك، شرعت الولايات المتحدة في خفض كبير في عدد الموظفين، مما أدى إلى انخفاض إجمالي عدد الموظفين إلى 11,500 في كانون الثاني 2013، وإلى 5,500 بحلول عام 2014. وانخفض إجمالي عدد الموظفين إلى 486 بحلول أواخر عام 2019، وإلى 349 بحلول منتصف عام 2020.
يُذكر أن الولايات المتحدة أقامت علاقات دبلوماسية مع العراق عام 1930، وافتتحت مفوضية في بغداد. رُقّيت المفوضية إلى سفارة عام 1946. صمّم جوزيب لويس سيرت مبنىً جديداً عام 1955، واكتمل بناؤه عام 1957. وما بين عام 1967 وحتى 2003 تباينت العلاقات الدبلوماسية العراقية الأميركية بين المد والجزر.
