بينما دخلت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يومها الثاني عشر، لم تعد ساحة المعركة تقتصر على الجغرافيا فحسب، بل تحولت إلى حرب أرقام وانهيار رياضي متسارع. ورغم أن "حرب الـ12 يوماً" في يونيو 2025 تُتخذ كمعيار للمقارنة، إلا أن الحرب الحالية أظهرت أنها أكثر تدميراً وأثقل كلفة بشكل ملحوظ.
في أقل من أسبوعين، وصلت "التكاليف المالية اليومية" إلى مستوى لم يسبق له مثيل في الحروب الحديثة غير المتكافئة، مما يشير إلى أزمة تتعلق بالقدرة الصناعية ومخزونات الصواريخ الدفاعية أكثر من كونها تتعلق بالدفاع البري.
تكلفة الحرب.. قصة ميزانين مختلفين
الفرق الأبرز بين هذه الحرب وحرب الـ12 يوماً عام 2025 يكمن في التكلفة اليومية للعمليات. خلال حرب 2025، كانت نفقات أمريكا في عملية "مطرقة منتصف الليل" تُعتبر حدثاً مالياً صغيراً بتكلفة بلغت ملياراً إلى ملياري دولار فقط. أما اليوم، فقد وصلت تكلفة الولايات المتحدة يومياً إلى ما بين 891 مليوناً و1.43 مليار دولار.
أميركا وحدود الإنفاق الهائل
بالنسبة لواشنطن، يعود السبب الرئيسي للتكلفة إلى الإنفاق المفرط الذي بلغ 3.7 مليار دولار خارج الميزانية المحددة. وفي أول 100 ساعة فقط من الحرب، كانت هذه النفقات كالتالي:

-إصلاح أضرار الحرب: 350 مليون دولار، شملت أضراراً لحقت بثلاث طائرات F-15 وطائرتين من طراز F-35.
-تكاليف العمليات: 196 مليون دولار للعمليات البحرية والجوية.
حتى اليوم الثاني عشر، تجاوز إجمالي تكاليف أمريكا ما بين 14 إلى 18 مليار دولار، وهو ما يعادل تقريباً 18 ضعف التكلفة الإجمالية لحرب الـ12 يوماً عام 2025، حينها شاركت أمريكا ليوم واحد فقط في الهجمات على إيران.
إيران.. التحول نحو التكلفة المنخفضة والهجوم المكثف
على العكس من ذلك، فإن تكلفة الذخيرة اليومية لإيران في انخفاض؛ فمن 264 مليون دولار في الأيام الأولى، تراجعت إلى حوالي 62-82 مليون دولار في اليوم الثاني عشر. قد لا يكون هذا علامة ضعف، بل إدارة استراتيجية للتكاليف:
-خفضت إيران معدل إطلاق صواريخها الباليستية متوسطة المدى (MRBM) بنسبة 90%، حيث تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى 1-3 ملايين دولار.
-في المقابل، زادت من استخدام طائرات (شاهد-136) الانتحارية (الدرونز)، التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 20,000 إلى 50,000 دولار.
-هذه معادلة مدمرة؛ فحين تستخدم أمريكا صاروخاً دفاعياً من نظام تاد (THAAD) تبلغ قيمته 12.
مقالات ذات صلة
شركة نفط الشمال لرووداو: صادرات النفط تصل إلى 250 ألف برميل ابتداءً من اليوم
سعر أونصة الذهب يرتفع إلى نحو 4590 دولاراً
7 مليون دولار لإسقاط طائرة مسيرة قيمتها 50 ألف دولار، تصبح المعادلة الاقتصادية 250 مقابل 1. أي أن أمريكا تنفق 250 ضعف ما تنفقه إيران لإسقاط تلك المسيرة.
ساعة الصواريخ الدفاعية
رغم أن أمريكا "لم ينفد مالها"، إلا أنها تفقد بسرعة المعدات العسكرية الخاصة اللازمة للاستمرار في الحرب. "ساعة تناقص الصواريخ الدفاعية" أصبحت الآن العائق الرئيسي أمام استراتيجية الحرب الأمريكية.
الحقيقة المادية هي: بهذا المعدل الحالي، قد ينفد كامل مخزون الصواريخ الدفاعية الأمريكية في غضون 4 إلى 5 أسابيع. وقد حذرت مراكز أبحاث أمريكية عديدة مثل (Military Times) و(The Heritage Foundation) و(CSIS) من هذا الأمر.
الأضرار الإقليمية
الوضع المالي لإسرائيل
دخلت إسرائيل هذه الحرب وهي تحمل عبء 55 مليار دولار من تكاليف حرب 2025. ومن المتوقع أن تصل التكلفة الاقتصادية لإسرائيل حتى اليوم (اليوم 12) إلى ما بين 15 و25 مليار دولار، وهو أكثر من ثلاثة أضعاف تكلفة حرب 2025 التي بلغت 6 مليارات دولار. ومع بقاء 2.9 مليار دولار فقط في (صندوق احتياطي التعويضات)، يعتقد المحللون أن إسرائيل ستواجه "ضغوطاً مالية حادة" خلال 3 إلى 6 أشهر إذا لم تتلقَ مساعدات خارجية ضخمة. وبالأمس، ظهر بنيامين نتنياهو مع وزير ماليته قائلاً: "هذه الحرب تحتاج إلى مال، مال كثير. لذا يجب توفير ميزانية خاصة بعشرات المليارات من الدولارات أثناء الحرب".
إغلاق مضيق هرمز
على عكس حرب 2025 التي ظل فيها مضيق هرمز مفتوحاً جزئياً، فإنه في عام 2026 مغلق تماماً:
-توقف الحركة: انخفضت الحركة الطبيعية من 130-150 سفينة يومياً إلى 1-3 سفن فقط.
-صدمة نفطية: وصل سعر خام برنت في اليوم العاشر إلى 119 دولاراً للبرميل، بينما كان أعلى مستوى له في عام 2025 هو 78 دولاراً.
-خسائر عالمية: مسح الأسبوع الأول من الحرب 3.5 تريليون دولار من الأسواق العالمية، وهو ما يعادل 7 أضعاف تأثيرات حرب 2025.
حرب الاستنزاف
يضع نموذج رياضي للاستخبارات الاقتصادية احتمالاً بنسبة 50% لسيناريو حرب الاستنزاف المدارة (Managed Attrition). وفي هذه النتيجة:
-ستستغرق الحرب من 6 إلى 10 أسابيع.
-ستصل التكاليف العسكرية المباشرة لأمريكا إلى 60-100 مليار دولار.
-سينهار الاقتصاد الإيراني فعلياً، حيث ستنخفض صادرات النفط من 1.38 مليون برميل إلى الصفر تقريباً.
ينشأ سيناريو حرب الاستنزاف بسبب وصول الطرفين إلى حافة الإنهاك. "الرئة المالية" لإيران توقفت لأن مصدر دخلها (الذي يعتمد بنسبة 45% على النفط والغاز) قد احترق. وفي الوقت نفسه، تواجه أمريكا نقصاً قاتلاً في الصواريخ اللازمة للدفاع عن حلفائها. وكما أشار أحد المحللين: "لم يعد السؤال هو من يملك جيشاً أقوى، بل أي نظام سياسي واقتصادي سيتصدع وينهار أولاً تحت وطأة تكلفة تبلغ 1.4 مليار دولار في اليوم الواحد".
