رووداو ديجيتال
بالرغم من أن الموقف الرسمي العراقي هو إبقاء العراق بعيداً عن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلا أن البلد وجد نفسه وبدون إرادته في قلب المواجهة، أو في عين العاصفة حسب وصف خبراء عسكريين واستراتيجيين لرووداو، والذين أكدوا بأن الفصائل المسلحة العراقية هي من "جرت العراق إلى هذه المواجهة".
ولأكثر من مرة أكد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، محمد شياع السوداني، بأن: "قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة"، معترفاً ومحذراً من جهات "أعطت لنفسها هذا الحق" خارج الأطر الرسمية.
توريط العراق في حرب ليس له فيها "لا ناقة ولا جمل" مثلما يقال، ولا تخدم مصالحه واستقراره الأمني والاقتصادي، كلف الشعب العراقي المئات من الشهداء، غالبيتهم من مقاتلي الحشد الشعبي والقوات المسلحة وقوات البيشمركة الكوردية.
وفي اجتماعها يوم أمس الثلاثاء، برئاسة السوداني، دانت الحكومة العراقية الاعتداءات الحاصلة على قوات البيشمركة في إقليم كوردستان، مشددة على حماية سيادة العراق وأمنه. ودان المجلس بشدة الاعتداءات التي استهدفت مواقع الحشد الشعبي ومقاتلي البيشمركة، مشدداً على الإصرار على حماية سيادة العراق وأمنه، وتوفير الحماية الكاملة للبعثات الدبلوماسية والمؤسسات العامة والخاصة.
يُذكر أن وزارة البيشمركة أعلنت أن إيران شنت هجوماً بستة صواريخ على قواتها فجر يوم أمس الثلاثاء، ما أسفر عن استشهاد 6 من عناصر البيشمركة وإصابة 30 آخرين.
وقالت وزارة البيشمركة، في بيان لها: "فجر اليوم، وفي هجومين منفصلين، تعرض مقر للفرقة السابعة مشاة في المنطقة الأولى وقوة من الفرقة الخامسة مشاة التابعة لقوات البيشمركة في حدود سوران، لعمل عدائي وغادر وخائن، وبعيد عن كل الأعراف الإنسانية وحسن الجوار، بهجوم بـ 6 صواريخ باليستية إيرانية". وأضافت الوزارة أنه نتيجة للهجمات "استشهد 6 من أبطال البيشمركة وأصيب 30 آخرون بجروح".
ودانت وزارة البيشمركة "بأشد العبارات هذا الهجوم وجميع الهجمات الإرهابية الأخرى" التي تستهدف إقليم كوردستان، مؤكدةً "نحن نمتلك كل الحق في الرد على أي اعتداء يطال شعبنا وأرضنا".
في الوقت نفسه، أشارت إلى أنها "لم تكن تتوقع بأي شكل من الأشكال أن يتم الرد على الموقف السلمي لإقليم كوردستان بهذه الطريقة الغادرة، لكن عمر الظلم والجور قصير، وإرادة السلام ستنتصر".
خبراء عسكريون واستراتيجيون أشاروا في أحاديث منفردة لشبكة رووداو الإعلامية، إلى أن "الفصائل المسلحة هي من جرّت العراق لهذه المواجهة العسكرية" بالرغم من أن الموقف الرسمي يريد تحييد البلد".
الخبير الأمني الأكاديمي أحمد الشريفي قال لرووداو اليوم الأربعاء، 25 آذار 2026: "إن الإطار التنسيقي هو من ورّط العراق بهذه المواجهة بسبب دعمه للفصائل المسلحة وعدم الاعتراض عليها بالرغم من أنه كان يملك القوة لردعها. فهو، الإطار، إما صامت أو مؤيد للفصائل، ومن يدعي عكس ذلك فليعبر عن رأيه صراحة خلال منصاته الإعلامية"، منبهاً إلى أن: "رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة غير قادر على مواجهة هذه الفصائل للأسف".
فيديو من داخل القاعدة في محافظة الأنبار يوثق لحظة تعرضها لغارة جوية من طائرة A-10 صباح اليوم الأربعاء pic.twitter.com/Qe1gbORDqL
— Rudaw عربية (@rudaw_arabic) March 25, 2026
من "انجرار العراق إلى مواجهة مسلحة مع إسرائيل تتسبب بها الفصائل المسلحة غير الرسمية (الميليشيات) التي توجه صواريخها إلى مواقع إسرائيلية في هضبة الجولان أو مناطق أخرى"، مؤكداً أن "العراق غير قادر على صد أي هجوم والدفاع عن نفسه، خاصة إذا كانت الضربة من إسرائيل والتي ستكون سريعة ومباغتة ضد مواقع تابعة للفصائل المسلحة".
وطالب الشريفي: "بسحب مقاتلي الجيش والحشد الشعبي من مقراتهم المكشوفة وعدم تعريضهم للموت". وقال: "في أقل تقدير ومن الناحية الشرعية أن يتم الحفاظ على أرواح شبابنا بدلاً من تعريضهم للقصف والموت ويزيدون في عدد الأيتام والأرامل وأحزان الأمهات.. شباب بعمر الزهور يضعونهم تحت النار وليس لهم القدرة المسلحة لمواجهة القصف".
ويرى الشريفي، وهو ضابط طيار سابق في الجيش العراقي أُحيل على التقاعد عام 1993 برتبة رائد، أن: "العراق عاجز عن حماية أجوائه، بل إن أجواء العراق وكذلك إيران محتلة من قبل الطيران الأميركي والإسرائيلي، ولك أن تتصور أن طائرة من نوع A10 التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، من 10 إلى 20 متر، وهي طائرة إسناد جوي وتصنف ضمن طيران الجيش وليس ضمن المقاتلات، والطيار ينزل إلى ارتفاع 20 متر حتى يحدد هدفه ثم يقصف مثلما شاهدنا اليوم في قصف قاعدة الحبانية، حتى هذه الطائرة لم تتمكن إيران والعراق من إسقاطها، بل قصفت هذه الطائرة ميناء بندر عباس وهو واحد من أهم مراكز البحرية الإيرانية". وعن حماية أجواء العراق، بغداد خاصة، من الطيران الأميركي والإسرائيلي، أوضح: "عندنا طائرات F16، التي تحلق في أجواء بغداد في طلعات دورية أكثر منها قتالية، وهذه قديمة وغير مسلحة جيداً وصواريخها قصيرة المدى وغير مؤثرة، بينما مثيلاتها الأميركية والإسرائيلية تم تحديثها ومجهزة بصواريخ مؤثرة".
الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، اللواء الركن المتقاعد، الأكاديمي عماد علو الربيعي، أوضح بأن: "الخطاب الرسمي ومعظم القوى السياسية تؤكد عدم التورط في هذه الحرب، باستثناء تصرفات بعض الفصائل التي تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة، انطلاقاً، وبحسب تبريراتهم، من موقف مذهبي وعقائدي للوقوف مع إيران وإخراج القوات الأميركية باعتبارها قوات محتلة. لكن كل المؤشرات التي صدرت عن رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية العراقية تؤكد عدم الانخراط بهذا الصراع الذي لا دخل للعراق فيه".
وأقر الربيعي بقيام "الفصائل المسلحة بقصف مناطق خارج العراق، كما قصفت إقليم كوردستان ومناطق عراقية أخرى، وهذه تصرفات فردية من قبل هذه الفصائل، وهي معروفة، وقد أوضحت اتصالات رئيس الوزراء، السوداني، ووزير الخارجية، فؤاد حسين، بحكومات الدول المجاورة الموقف الرسمي العراقي واتخذت، الحكومة، إجراءات لملاحقة من قام بهذه الأعمال المنافية لنصوص الدستور العراقي الذي يمنع استخدام الأراضي العراقية بشن عدوان على أي دولة أخرى.. أكرر بأن هذا التصرف غير دستوري وملاحق من قبل الأجهزة الأمنية، حيث تمت السيطرة على عجلة كانت تحمل صواريخ أطلقتها على محيط مطار بغداد الدولي، كما تمت السيطرة على قواعد إطلاق صواريخ في البصرة وغيرها.. هناك متابعة ومراقبة لمنع هذه الأعمال".
الكاتب والمحلل السياسي أحمد الخضر، أكد أنه: "تم جرّ العراق، للأسف الشديد إلى هذه الحرب، الأميركية الإسرائيلية ضد إيران"، منبهاً إلى أن: "العراق لا يملك أي قرار فيها، لأن هناك جهات داخل البلد تعتبر أن العراق يجب أن يكون ضمن الساحة الإيرانية في هذه الحرب وهذه الجهات لها نفوذها الحزبي والإعلامي ونفوذها المسلح".
وأضاف الخضر قائلاً: "إن حكومة السوداني بذلت جهوداً كبيرة في تحييد العراق في هذه المواجهة وإبعاد البلد والعراقيين عنها إلا أنها (الحكومة) فشلت فشلاً كبيراً حتى الآن بسبب ضعف قرارها السياسي والأمني وعدم قدرتها على مواجهة الواقع الموجود حالياً في العراق"، منبهاً إلى أن: "الحكومة العراقية، للأسف الشديد، لا تمتلك أي خطة طوارئ لا لضبط الأمن وحماية أدواتها ولا تضع أيضاً في حساباتها أي إجراءات اقتصادية في حال انعكاس هذه الحرب على عمليات تصدير النفط العراقي وهذه مشكلة حقيقية وغير سهلة أبداً".
الحكومة العراقية دانت الهجوم الذي استهدف مستوصف الحبانية العسكري التابع لوزارة الدفاع، واصفة إياه بـ "العدوان الغاشم" الذي أسفر عن "سقوط شهداء وجرحى" في صفوف الجيش العراقي، مؤكدة احتفاظها بحق الرد بكافة الوسائل المتاحة.
وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء صباح النعمان، في بيان رسمي اليوم الأربعاء (25 آذار 2026)، إن "هذا الاعتداء يأتي في وقت تبذل فيه الحكومة العراقية جهوداً سياسية ودبلوماسية مكثفة للنأي بالعراق عن الصراعات الإقليمية، وضمان أمن واستقرار المنطقة وحرية التجارة والتبادل الاقتصادي". وشدد على أن "الحكومة والقوات المسلحة تمتلكان حق الرد وفق ما يقره ميثاق الأمم المتحدة"، مؤكداً أن العراق "لن يقف صامتاً أمام استباحة دماء أبنائه".
على الصعيد الدبلوماسي، أعلن البيان أن رئيس مجلس الوزراء وجّه وزارة الخارجية باستدعاء القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة في العراق، لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية شديدة اللهجة، تعكس موقف العراق الصلب تجاه حماية سيادته وإدانة هذه التصرفات "غير المسؤولة".
وتلقى العراق، باستثناء إقليم كوردستان، مئات الضربات العسكرية من قصف جوي وصاروخي وطائرات مسيرة، ومن 4 جهات "الولايات المتحدة وإسرائيل التي قصفت معسكرات الحشد الشعبي والجيش العراقي ومواقع الفصائل المسلحة في أماكن مختلفة من العراق، بينما قصفت إيران والفصائل المسلحة مواقع اقتصادية ومنشآت نفطية ودبلوماسية في إقليم كوردستان وبغداد والبصرة. وكبدت هذه العمليات استشهاد ما يقرب من 100 شخص.
ووفقاً لمتابعة شبكة رووداو الإعلامية، تعرض إقليم كوردستان منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى هجمات بأكثر من 450 طائرة مسيّرة وصاروخاً، مما أسفر عن استشهاد 14 شخصاً، بينهم 6 من قوات البيشمركة ومنتسب في اسايش.
وتشير الإحصائيات إلى أن غالبية الهجمات استهدفت مدينة أربيل وضواحيها بأكثر من 350 مسيّرة وصاروخاً، تليها السليمانية بـ 90 مسيّرة وصاروخاً، ثم دهوك بـ 7 مسيّرات، ومحافظة حلبجة التي استُهدفت بمسيّرتين في هجوم واحد.
وأفاد مصدر أمني لشبكة رووداو الإعلامية بأنه في ليلة أمس الثلاثاء، وحتى قرابة منتصف الليل، "تم توجيه أكثر من 4 صواريخ و5 مسيّرات نحو أربيل، جرى اعتراضها وتدميرها في الجو قبل وصولها إلى أهدافها".
وفي ساعات فجر اليوم الأربعاء، استهدفت طائرة مسيّرة مشروعاً سكنياً في أربيل، وبحسب المقاطع المصورة، اندلع حريق في أحد المباني وتضررت عدة سيارات. كما جرى إسقاط 4 مسيّرات فوق مدينة أربيل ظهر أمس الثلاثاء، وسقط حطامها في أحياء متفرقة.
